تعالوا إلى العرس!
طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل. (رؤ 19: 9)
مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ مَلِكٍ أَقامَ وَليمةً في عُرسِ ابنِه. فأَرسَلَ خَدَمَه لِيُخبِروا المَدعُوِّينَ إِلى العُرْس فأَبَوا أَن يَأتوا. فأَرسَلَ خَدَمًا آخَرين وأَوعَزَ إِلَيهم أَن «قولوا لِلمَدعُوِّين: ها قد أَعدَدتُ وَليمَتي فذُبِحَت ثِيراني والسِّمانُ مِن ماشِيَتي، وأُعِدَّ كُلُّ شَيء، فتَعالَوا إِلى العُرْس». ولٰكِنَّهم لم يُبالوا، فمِنهُم مَن ذَهَبَ إِلى حَقلِه، ومِنهُم مَن ذَهبَ إِلى تِجارتِه. وأَمسَكَ الآخَرونَ خَدَمَه فشَتَموهم وقَتَلوهم. فَغَضِبَ الملِكُ وأَرسلَ جُنودَه، فأَهلَكَ هٰؤُلاءِ القَتَلة، وأَحرَقَ مَدينَتَهم. ثُمَّ قالَ لِخَدَمِه: «الوَليمَةُ مُعَدّةٌ ولٰكِنَّ المَدعوِّينَ غيرُ مُستَحِقِّين، فَاذهَبوا إِلى مَفارِقِ الطُّرُق وَادعُوا إِلى العُرسِ كُلَّ مَن تَجِدونَه». فخَرَجَ أُولٰئِكَ الخَدَمُ إِلى الطُّرُق، فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار، فامتَلأَت رَدهَةُ العُرْسِ بِالجالِسينَ لِلطَّعام. ودَخَلَ المَلِكُ لِيَنظُرَ الجالِسينَ لِلطَّعام، فرَأَى هُناكَ رَجُلاً لم يَكُنْ لابِسًا لِباسَ العُرْس، فقالَ له: «يا صديقي، كَيفَ دخَلتَ إِلى هُنا، ولَيسَ عليكَ لِباسُ العُرس»؟ فلم يُجِبْ بِشَيءٍ. فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: «شُدُّوا يَدَيه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان». لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون. مت 22: 1-14
تقدّم هذه الكراسة الصادرة عن الحركة المريمية للكهنة والعلمانيين الكنيسة المقدسة بوصفها عروس المسيح: مثل يسوع عن الوليمة الملكية، وسرّ الكنيسة المقدسة بحالاتها الثلاث، والحياة العروسية لكثير من القديسين، والقداس الإلهي بوصفه شمس حياتنا ووليمة عرسنا – مع شهادات عن نعمة الله واضطهاد الكنيسة في زماننا.
تمهيد
أعدّ الله للبشر طريقًا واحدًا فقط إلى السعادة الأبدية، وهذا الطريق هو يسوع المسيح ابن الله المتجسد نفسه. قال: لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. أَنا الطَّريق. (يو 14: 6) هيّأ يسوع لنا هذا الطريق ببذل حياته على الصليب بمحبة، تعبيرًا عن أعظم محبة وتمجيدًا للآب (راجع يو 17: 1-5)، وذبيحة تعويض ذات أطيب رائحة من أجل فداء البشر (راجع أف 5: 2). فالمسيح، الكاهن الأعظم الأبدي الوحيد للبشرية، ترك لكنيسته حقًّا وجوهرًا ذبيحة بذل محبته على مذبح الصليب في سرّ الإفخارستيا. وقد ربط المسيح استحضار ذبيحة صليبه ربطًا لا ينفصم بوليمة عرسه. ويحتفل بهذه الوليمة بتقديم جسده ودمه لعروسه الكنيسة ولكل نفس مؤمنة محبة. إن أعظم عمل محبة في تاريخ الخليقة والبشرية هو البذل الكهنوتي ليسوع المسيح على الصليب. وهو يُحتفل به هنا على الأرض في سرّ الإفخارستيا حتى مجيئه الثاني.
طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل. (رؤ 19: 9) تكشف هذه الكلمات المعنى الأعمق للغاية التي خلق الله البشر من أجلها. لقد خلقهم ليشركهم في حياته الإلهية نفسها، وهذه الحياة هي الحياة الفائقة الطبيعة الأبدية. والمشاركة في الحياة الإلهية تعني أعظم سعادة وفرح، وصورة وليمة العرس تعبّر عن ذلك. إنها الرؤية الطوباوية لجوهر الله ذاته، الذي لا يُوصَف ولا يُدرَك. والحياة الأبدية حياة وحدة عميقة بين المخلوق وخالقه. الله محبة (1 يو 4: 8)، ولذلك لا يمكن للإنسان أن يتحد به إلا بالمحبة. والسعادة الأبدية في السماء هي أكمل تحقيق ممكن للوصية الأولى والأعظم، أي أن نحب الله بكل القلب، وبكل النفس، وبكل الفكر، وبكل القوة. (راجع تث 6: 4-5؛ مر 12: 30)
وهذا العمل من المحبة عظيم جدًّا، حتى إنه سيبقى للأبد ذكرى وليتورجيا سماوية، كما تعلن لنا الرؤيا في صورة وليمة عرس الحمل. ولهذا يبقى المسيح كاهنًا أعظم إلى الأبد حتى في السماء. (راجع عب 7: 24)
يسوع المسيح، الكاهن الأعظم الأبدي، هو الطريق الوحيد إلى السعادة الأبدية. غير أنه ربط هذا الطريق ربطًا لا ينفصم بالحق، لأنه هو الحق نفسه. (راجع يو 14: 6) ومن أجل شهادة الحق («martyrein» باليونانية) جاء إلى العالم (راجع يو 18: 37)، وهو نفسه الشاهد («martys» باليونانية) والأمين («fidelis») والصادق («verus») في شخصه. (راجع رؤ 3: 14) ومن هنا نفهم أن الطريق إلى السعادة الأبدية، إلى وليمة عرس الحمل، هو طريق إيمان لا تحفظ فيه ولا تردد، وتمسّك بالحق حتى الاستشهاد. فبغير الإيمان، أي التمسك الأمين بالحقائق التي أعلنها الله، يستحيل نيل رضا الله (راجع عب 11: 6)، أي يستحيل دخول السماء.
ليس شيء أغرب عن معنى يسوع المسيح والإنجيل من أن تُفهم المسيحية والطريق إلى السماء كنزهة عاطفية تُصاغ بحسب الميل الشخصي، أو أن تُعاش كقائمة طعام فاخرة يُختار منها كل طبق على حدة. فمثل هذه المسيحية تكون بلا صليب، وبلا ذبيحة، وبلا طاعة للإرادة الواضحة لله، وبلا إنكار للذات. فتكون بالتالي مسيحية بلا محبة فائقة طبيعية حقيقية، ومن ثم بلا فرح حقيقي، وبلا وليمة عرس الحمل الحقيقية، لأن الحمل بطبيعته كائن قُدّم ذبيحة بلا ذنب. مثل هذه المسيحية وهم. إنها مسيحية «الأنا»، ولذلك هي أكبر تضاد للمسيح نفسه وللمسيحية الحقيقية، أي أقبح تشويه ساخر لها.
وكانت الكنيسة منذ بداياتها واعية للخطر الذي تحمله مثل هذه المسيحية الوهمية والمشوَّهة، أي مسيحية بلا صليب وبلا حق، وبالتالي بلا محبة. لذلك أخذ المسيحيون الأوائل، ثم جميع أجيال المؤمنين الكاثوليك الحقيقيين، هذه الكلمات من رسالة الرسول يهوذا (تداوس) على الدوام بعين الاعتبار: جاهِدوا في سَبيلِ الإِيمانِ الَّذي سُلِّمَ إِلى القِدِّيسينَ تامًّا. اذكُروا ما أَنبَأَ بِه رُسُلُ رَبِّنا يسوعَ المسيح إِذ قالوا لَكم: «سيَكونُ في آخِرِ الزَّمانِ مُستَهزِئُونَ يَتبَعونَ شَهَواتِ كُفْرِهم». همُ الَّذينَ يُوجِدونَ الشِّقاق، إِنَّهم بَشَرِيُّونَ لَيسَ الرُّوحُ فيهِم. أَمَّا أَنتُم أَيُّها الأَحِبَّاء، فابْنوا أَنفُسَكم على إِيمانِكمُ المُقَدَّس وصَلُّوا بِالرُّوحِ القُدُس، واحفَظوا أَنفُسَكم في مَحَبَّةِ الله وانتَظِروا رَحمَةَ رَبِّنا يسوعَ المسيح مِن أَجْلِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة. أَمَّا المُتَمَرِّدونَ فارثوا لَهم، بل خَلِّصوهم مُنتَشِلينَ إِيَّاهم مِنَ النَّار. (يه 3: 17-23)
أعظم عون وأنجعه على طريق السعادة الأبدية الطويل الشاق والمحفوف بالأخطار هو يسوع المسيح نفسه، وذلك بعطية ذبيحة القداس الإلهي، والحضور الحقيقي لذبيحة صليبه، وطعام جسده ودمه. وهذا هو الكنز الأعظم، والشمس الروحية الحقيقية للكنيسة. نعم، إن هذا هنا في وادي الدموع عربون مسبق لوليمة عرس الحمل في الحياة الأبدية.
وذبيحة القداس الإلهي والمناولة المقدسة هما أيضًا أنجع الوسائل لكي تنمو النفس في المحبة الأبدية الحقيقية لله، وفي المحبة العروسية له. وهذا لا يعني في المقابل شيئًا آخر سوى قداسة الحياة.
أراد الله أن يتمم الكهنة وحدهم، بالسرّ، ذبيحة الصليب بتحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. فبلا كهنة لا توجد ذبيحة قداس ولا مناولة مقدسة، وعندئذ ينطفئ النور الروحي الحقيقي في حياة الكنيسة. غير أننا لا نحتاج إلى كهنة فحسب، بل قبل كل شيء إلى كهنة قديسين. فالمسيح، الكاهن الأعظم الأبدي العفيف الصادق الرحيم، يريد أن يمشي من جديد في شوارعنا بكهنته في زماننا المظلم والمضطرب هذا، معلّمًا الضالّين في الحق والشاكّين، ومعزّيًا المتألمين، ومانحًا غفران الخطايا للخطاة التائبين، وقبل كل شيء مقدّمًا ذبيحة القداس. لذلك ينبغي أن يكون الكهنة، أدواته البشرية، أيضًا عفيفين، مستعدين للتضحية، متواضعين، وأن يشهدوا للحق دائمًا، حتى الاستشهاد.
إن تذكّر حقيقة دعوة جميع المسيحيين إلى القداسة، وقبل كل شيء دعوة الكهنة، والأهمية المركزية للإفخارستيا في حياة الكنيسة، عبر إدراك إيماني أعمق للحق ولجلال الله، وذبيحة القداس الإلهي المحتفَل بها باحترام وبهيبة تليق بالحق والجلال الإلهي، مع المناولة المقدسة المثمرة والمستقبَلة بخشوع، بقلب نقي مؤمن متواضع: في ذلك كان ينبغي أن يكمن المعنى الحقيقي والغاية من المجمع الفاتيكاني الثاني، وفق قصد أكثرية آباء المجمع.
لن ينتج في كنيسة أيامنا قديسين إلا التجديدُ الحقيقي المنبثق من سرّ القربان المقدس، وفق المعنى الثابت للكنيسة ولجميع القديسين: أطفال قديسين، وشبابًا قديسين، وعائلات قديسة، وعرائس المسيح المكرّسات قديسات، ورهبانًا وراهبات قديسين، وقبل كل شيء كهنة قديسين. عندئذ فقط يُمنح الكنيسة ربيع روحي حقيقي. وعلى هذا الربيع نرجو بثقة، وهو حاضر منذ الآن في أيامنا أيضًا، ويبدأ أولًا في النفوس التي تحب المسيح حبًّا عروسيًّا عميقًا، والتي جعلت المسيح الإفخارستي محور حياتها.
هذا الكتيّب «تعالوا إلى العرس!» سيكون بلا شك عونًا روحيًّا ملموسًا للتجديد الإفخارستي الحقيقي الذي تشتاق إليه الكنيسة، وسيمنح نفوسًا كثيرة نورًا وعزاءً وحافزًا إلى محبة الله ومحبة القريب وإلى القداسة.
بارك الله انتشار هذا الكتيّب الصغير الثمين بثمار روحية كثيرة!
ولنردّد معًا مع السيدة مريم العذراء، والدة الله الحبيبة، أول بيت قربان للمخلّص المتجسّد، الكلمات التالية من ترنيمة مناولة قديمة معروفة كثيرًا، فلتزِد فينا الإيمان والمحبة الفائقة الطبيعة لربنا الإفخارستي:
يسوع، يسوع، تعال إليّ! ما أشدّ شوقي إليك!
يا صديق نفسي الأعز، متى أتّحد بك!
ألف مرة أشتهيك، فالحياة بدونك عذاب.
ألف مرة أتنهّد إليك: أيها الرب يسوع، تعال إليّ!
ليس في العالم لذة تُرضي قلبي.
حبّك وحده، يا رب، يُفرح قلبي كله!
إني، يا رب، لست طاهرًا حتى تدخل إليّ؛
لكن كلمة واحدة من فمك فتبرأ النفس.
إليك أشتاق بشدة، يسوع، يسوع، تعال إليّ!
خذ قلبي كله لك وامتلكه إلى الأبد. آمين.
بركة الله الغنية لمؤلفي هذا الكتيّب وناشريه وقرّائه!
29 حزيران 2019، في عيد رئيسي الرسل بطرس وبولس
+ أثناسيوس شنايدر، الأسقف المساعد لرئاسة أساقفة القديسة مريم في أستانا (نور سلطان)
عبادة الحمل (مذبح غينت، يان فان آيك)
سرّ الكنيسة المقدسة بحالاتها الثلاث
تتكوّن الكنيسة المقدسة بحالاتها الثلاث من الكنيسة المجاهدة والكنيسة المتألمة والكنيسة المنتصرة. فالمسيحيون على الأرض هم الكنيسة المجاهدة، والنفوس في المطهر هي الكنيسة المتألمة، والطوباويون في السماء هم الكنيسة المنتصرة. وتكوّن هذه الحالات الثلاث معًا، بارتباطها الوثيق بالمسيح، ملكوت الله. وفي قانون الإيمان نسمّي هذه الشركة «شركة القديسين»، لأن الجميع ينبغي أن يكونوا متحدين بالمسيح عريسهم بالنعمة المقدِّسة.1
إن شركة القديسين على الأرض تجعلنا نشارك في جميع كنوز نعم الكنيسة. والاتحاد بالقديسين في السماء يجعلنا نشارك في استحقاقاتهم، ونحظى بعونهم بشفاعتهم عند الله. والشركة مع المطهر عون عظيم لنا وللنفوس المسكينة التي تتألم بشدة مؤلمة. وبالقداديس الإلهية والغفرانات والصلوات والأعمال الصالحة التي نقدمها عنها نستطيع أن نقصّر آلامها، وهي بدورها تُظهر لنا امتنانها الكبير، إذ تقتحم السماء في كل ما نطلبه.2
1 إن موضوع المسيح عريس الكنيسة هيّأه الأنبياء وبشّر به يوحنا المعمدان. والسيد نفسه دلّ على ذاته بلفظ «العريس». (مر 2: 19) وهو أيضًا، كما يؤكد الرسول بولس، «رأسُ الجسد أي رأسُ الكنيسة»، و«الكنيسة التي أَحَبَّها وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها». (قول 1: 18؛ أف 5: 25) وكذلك يقدّم الرسول الكنيسة وكل مؤمن، عضو في جسد المسيح، على أنها عروس «مخطوبة» للمسيح الرب، بحيث لا تكون معه إلا روحًا واحدًا. (راجع 1 كو 6: 15-17؛ 2 كو 11: 2) (راجع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 796)
2 النفوس المسكينة في المطهر من أعمق العارفين بالضيق الأرضي وبالوجود البشري. ولأنها تعيش في خبرة لله لم تصبح بعد في متناولنا، فهي ممتلئة من قوة المحبة نحونا، وهي أوفى الأصدقاء للناس، إذ تقصّر عليهم بالصلاة والذبائح طريق معاينة الله. (القديس يوحنا فيشر)
لِنَفرَحْ ونَبتَهِجْ ولْنُمَجِّدْه!
فقَد حانَ عُرسُ الحَمَل، وعَروسُه قد تَزَيَّنَت.
وخُوِّلَت أَن تَلبَسَ كَتَّانًا بَرَّاقًا خالِصًا.
فإِنَّ الكَتَّانَ النَّاعِمَ هو أَعْمالُ البِرِّ الَّتي يَقومُ بِها القِدِّيسون.
وقالَ لِيَ المَلاك: «أُكتُبْ: طوبى لِلمَدعُوِّينَ إِلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل».3 رؤ 19: 7-9
3 لا يمكننا أن ننال خلاصنا إلا في الجسد السرّي للكنيسة، الذي رأسه المسيح ونحن أعضاؤه. […] ليس لنا طريق آخر ولا باب آخر. (القديسة كاترين السيينية)
مريم، أم الكنيسة⁴
الشوق العرسي
إن الكتاب المقدس كله مشبع بنبض المحبة الإلهية المشتاقة، التي تطرق باستمرار على القلوب البشرية المغلقة والقاسية في كثير من الأحيان، لكي تجذبها إليها برحمة. وتتجلى هذه المحبة العروسية بأبلغ صورة في صورة العرس، التي هيّأها الله منذ العهد القديم، وتمّت بصورة احتفالية في تبادل عجيب للمحبة على يد يسوع المسيح، الذي جاء إلى هذا العالم مسيحًا وعريسًا.
وأَخطُبُكِ لي لِلأَبَد، أَخطُبُكِ بِالبِرِّ والحَقِّ والرَّأفَةِ والمَراحِم، وأَخطُبُكِ لي بِالأَمانَةِ، فتَعرِفينَ الرَّبّ. هو 2: 21-22
العرس هو السرّ الأعمق لكل الخليقة المنظورة وغير المنظورة، وبالتالي هو السرّ الأعمق للكنيسة، التي تسير إلى عريسها عبر حجّ هذا الزمان بشوق عرسي.
ويحزننا بشدة ما تتعرض له أمنا الكنيسة من ضيقات ثقيلة، تهددها من الداخل ومن الخارج وتجرحها بعمق. لذلك نريد بهذا الكتيّب الصغير أن نلقي شرارات من نار الشوق إلى العرس السماوي في قلوب كثيرة من الناس، لكي تتجدد فيها المحبة للمسيح في سرّ جسده السرّي، ويخرجوا بمصابيح مضاءة لاستقبال العريس والعروس. (راجع مت 25: 1-13)
وقد بلغ جمعٌ لا يُحصى من القديسين بالفعل إلى الكمال على هذا الطريق إلى العرس السماوي، ويتشفعون الآن لأجلنا عند عرش الله، لكي نُقبَل نحن أيضًا يومًا ما إلى قاعة العيد العظيمة هذه لفرح السماء الأبدي.
وإذا ألقينا نظرة على حياة القديسين، أُدخلنا في جوٍّ من نعمة الله، يكاد يشعّ من عيون هذه النفوس المتيّمة بالله. لقد سمحوا لسرّ المحبة الإلهية العروسي أن يحوّلهم تحويلًا كاملًا، فغاصوا في سعادة لا يكاد العالم الأرضي يتصوّر منها شيئًا.
وفي الفصول التالية تأخذنا بعض هذه الأعمدة النارية المضيئة للكنيسة معها في طريقها إلى الله، أولئك الذين احترقوا كليًّا من أجل مجد الله وخلاص النفوس.
تَعالَ أُرِكَ العَروس! رؤ 21: 9
يا مريم، أم الكنيسة، لك نحن في الزمان وإلى الأبد.
بك ومعك نريد الآن وإلى الأبد أن ننتمي كليًّا ليسوع. آمين.
4 مريم أمًّا وحامية للكنيسة والإفخارستيا الأقدس، وكذلك ملكةً للملائكة. محاطةً برؤساء الملائكة السبعة تقف مريم في سفينة الكنيسة متحدةً مع جميع المؤمنين في الجهاد من أجل خلاص النفوس من العدو الشرير. فالملائكة القديسون والقديسون في السماء يكوّنون مع المؤمنين الأمناء في الكنيسة معًا ملكوت مريم، استعدادًا للانتصار النهائي للمسيح على الأرض. (لوحة زيتية لروزفيتا بيترليش)
فرنسيس يصلي أمام الصليب في سان داميانو.
القديس فرنسيس والعروس الجريحة
عندما دخل القديس فرنسيس الأسيزي (1181/82 – 1226) يومًا ما، بتوجيه من الروح، كنيسة سان داميانو الصغيرة ليصلي، أصابته افتقادات غير مألوفة من الروح، وللحال خاطبته صورة المسيح المصلوب، وشفتاه تتحركان على الصورة. دعاه باسمه وقال: فرنسيس، اذهب وأصلح بيتي الذي تراه متهدّمًا كليًّا! […] ومن تلك الساعة، التي كلّمه فيها الحبيب، اخترق نفسه المقدّسة التألّمُ مع المصلوب. […] لذلك لم يستطع منذ تلك الساعة أن يمنع البكاء. […] ملأ الطرق بنحيبه، ولم يدع أي عزاء يتسلل إليه، كلما فكّر في آلام المسيح. (2 C 10-11)
إن الرسالة التي تلقّاها فرنسيس من على الصليب: انظر، بيتي يتداعى، اذهب وأعِد بناءه! هي كلمة إلهية موحاة، تحتوي على السرّ كله للقديس فرنسيس. وهذا السرّ يتلقّاه في سان داميانو لا يزال مغلقًا كبرعم زهرة ثمينة. وفي كنيسة البورسيونكولا ستتفتح له الزهرة.
كنيسة البورسيونكولا الصغيرة في أسيزي
القديس فرنسيس والفقر
في كنيسة البورسيونكولا الصغيرة5 قُرئ الإنجيل عام 1209، حين أرسل الرب تلاميذه للتبشير في فقر تام. (راجع مت 10: 5-16) فابتهج القديس فرنسيس للحال بروح الله وقال: هذا ما أريده، هذا ما أبتغيه، وهذا ما أشتهي أن أفعله من أعماق قلبي. (1 C 22)
إن الرسالة التي تغلغلت في أعماق حياته في سان داميانو تتجلّى له هنا في البورسيونكولا بأوضح نور: فلا يُطلب منه أن يبني بيوتًا من حجارة فحسب؛ بل عليه أن يعيد الكنيسة الحيّة ليسوع إلى النقاء والقوة اللذين أسسها الرسل عليهما. لذلك عليه أن يعيش هو نفسه كما عاش الرسل. وما كان يبحث عنه دائمًا من أعماق قلبه، يتخذ الآن صورة العروس الموعودة. لقد وجدها أنبل وأغنى وأجمل من أي عروس رأيتموها قط. (3 Gef 7) ويسلّمه يسوع أعظم ما عنده وأقدسه: الكنيسة، عروسه. فالبيت والمدينة وأورشليم وصهيون والكنيسة، كلها أسماء العروس. (راجع رؤ 21: 2) وعلى فرنسيس أن يحبها كما أحبها المسيح: في خطاياها وجراحها. انظر، إنها تتداعى. هذه الكلمة تمسّ كل نفس القديس فرنسيس. فالمسيح يعيش فيه حياته كعريس، ويأخذه كله إليه إلى الصليب. ويجرحه يسوع بجرح حبّه الخاص؛ فعليه أن «يرى» بأي برص قد أُصيبت العروس، أي الخليقة الضالّة كلها، وأي جراح تفتحها في جسد المسيح، وبأي محبة ينزل عريسها إلى فقرها ليقبّل برصها ويردّها إلى كرامتها.
هنا يكتشف الفقر بوصفه سرّ العروسية. فلا يستطيع أن يعيد الكنيسة إلى أحضان المصلوب إلا إذا كان فقيرًا مثل العريس نفسه. ولذلك فإن منبع الفقر الفرنسيسكاني هو هنا في كنيسة البورسيونكولا الصغيرة. فرنسيس يخطب الفقر عروسًا له.
5 اسم «البورسيونكولا» يعني «الجزء الصغير» و«الحصة الصغيرة». تقول الأسطورة إن حاجًّا جلب ترابًا من الأرض المقدسة، ونثر هذا التراب على مساحة في الغابة أمام أسيزي بقدر ما يكفيه. وقد كرّس هذه المساحة لمريم، وبنى عليها كنيسة صغيرة. وانتشر بين الشعب أن الملائكة تُنشد هناك تسبيح مريم، وقد سمعه الناس مرارًا. هذا المكان أحبّه القديس قبل سائر الأماكن، وأوصى الإخوة أن يحافظوا عليه بإجلال خاص. […] وقد أخبر الأب المغبوط أنه أُعلن له من الله أن العذراء المباركة تحب هذه الكنيسة بمحبة خاصة، من بين الكنائس الأخرى التي بُنيت لها في العالم تكريمًا لها، ولذلك أحبها القديس هو أيضًا أكثر من سائر الكنائس. (2 C 18-19)
وأعطاني الرب في الكنائس إيمانًا كبيرًا حتى كنت أصلّي ببساطة وأقول: «نسجد لك، أيها الرب يسوع المسيح الأقدس، هنا وفي جميع كنائسك التي في العالم كله، ونباركك، لأنك بصليبك المقدس فديت العالم». (القديس فرنسيس)
يا للعظمة العجيبة والتنازل المدهش! يا للتواضع السامي! يا للسموّ المتواضع! إن ربّ الكل، الله وابن الله، يتواضع إلى حدّ أنه يحجب نفسه، لخلاصنا، تحت هيئة الخبز المتواضعة! لذلك أطلب إليكم جميعًا، بكل المحبة التي أستطيع، أن تقدّموا لجسد ربنا يسوع المسيح ودمه الأقدس كل الإجلال والتكريم بقدر ما تستطيعون. (القديس فرنسيس)
فرنسيس يتلقى من المسيح ومريم غفران البورسيونكولا (كورنيليس شوت)
القديس فرنسيس والعفة
يُكشف لنا سرّ عروسية البورسيونكولا بعمق أكبر في غفران البورسيونكولا.
في ليلة شتوية هاجمت فرنسيس تجارب شديدة جدًّا ضد العفة. وكانت التجربة قوية إلى حد أن فرنسيس خرج إلى الليل البارد، وخلع ثيابه وألقى بنفسه في أشواك شجيرة ورد. وهكذا تغلّب على التجربة. وعلى هذا الانتصار للأمانة ظهر له ملاكان دعواه أن يأتي معهما إلى كنيسة البورسيونكولا الصغيرة، التي كان ينبعث من نافذتها الصغيرة نور ساطع. ولما دخل رأى فوق المذبح المسيح ومريم، يحيط بهما جوقات الملائكة. فسقط على ركبتيه، وعرض عليه يسوع أن يطلب أمنية ويسلّمها لمريم. فتضرّع أن يحصل كل من يدخل كنيسة البورسيونكولا بإيمان على الغفران الكامل لكل الخطايا وعقوباتها. فقبلت مريم الطلب وقدّمته ليسوع بقلبها العروسي. فمنحه يسوع لها، مع الإشارة إلى فرنسيس بأن يطلب من نائبه على الأرض، البابا، أن يصادق على هذا الغفران. والبابا هونوريوس، الذي كان يقيم في بيروجيا في ذلك الوقت، منح الغفران.
لكن ما الخلفية الروحية لتلك التجربة الشديدة ولانتصار الشجيرة في الأشواك، التي فقدت بعد هذه المعركة من أجل الطهارة كل أشواكها، وكانت في وسط الشتاء ملأى بالأزهار؟
على فرنسيس أن يردّ الكنيسة من الخطيئة إلى زهرة العروسية؛ مجيدةً، «لا دَنَسَ فيها ولا تَغَضُّنَ ولا ما أَشْبَه ذٰلِك، بل مُقدَّسةٌ بِلا عَيب». (أف 5: 27) فكيف يستطيع أن يتمم هذه المهمة إذا لم يحفظ نفسه طاهرًا وسط أشد التجارب، ولو بأدنى ظل من الشهوة لا يجرح العروس الموكلة إليه؟
لقد كشف الله في الفردوس عن العداوة الأولى بين الحية والمرأة التي تلد الولد. (راجع تك 3: 15) وفي هذه العداوة يثور الشيطان، مبغض الاتحاد الإلهي بالخليقة ومدمّره، ضد فرنسيس، الذي اختاره الله من بين جميع المرافقين العروسيين الآخرين. إنها معارك تاريخية عالمية، يخوضها فرنسيس في جسده مع الشيطان ويكسبها. وهو قاتل التنين، الذي يعرف من أي خطر ينبغي أن ينقذ العذراء. (راجع رؤ 12: 1 وما بعدها) وكثيرًا ما يتردد في كتاباته كصرخة من قلبه: ونريد أن نبغض جسدنا بأهوائه وخطاياه؛ لأن الحياة الجسدية تريد أن تسلبنا محبة ربنا يسوع المسيح والحياة الأبدية، وتُهوي نفسها مع الجميع في الجحيم. (Erm 22)
إنها دموع يسوع على أورشليم، التي تصير دامية في عينيّ القديس فرنسيس الجريحتين: «لَيتَكِ عَرَفتِ أَنتِ أَيضًا في هٰذا اليَومِ طَريقَ السَّلام!» (لو 19: 42) وهنا في كنيسة البورسيونكولا الصغيرة ينبغي للناس أن يعرفوا ويرجعوا! فحين يقود فرنسيس عبر كل القرون أعدادًا لا تُحصى من الناس إلى الحياة المسيحية، فذلك ثمرة توبته وبكائه.6 لقد كشف الله بفرنسيس، في ذروة من التاريخ، كلمة الوحي عن العرس. وهو المنادي الذي يرسله الكاهن الأعظم من عرش العروسية على الصليب، ليدعو الجميع إلى عرس الملك، لكي تُقاد الخليقة كلها إلى البيت وتُزفّ في دم المسيح. (راجع أف 1: 10؛ قول 1: 16-20) وتحتفل الكنيسة بهذا العرس، عرس موت المسيح الذبائحي، في كل قداس مقدس. «خذوا فكلوا، هذا هو جسدي». «هذا هو دمي».
وفي موت المسيح أحنى رأسه نحو مريم ويوحنا، أي نحو الكنيسة العروسية، وأسلم لها روحه. وفي الوقت نفسه سال من قلبه دم وماء. وهكذا منح الكنيسة، عروسه المحبوبة، حياته وكل استحقاقات فدائه، لكي تصير بالمعمودية والإفخارستيا أمَّ كل الأحياء.
6 كلما عدّ كثير من الناس في عالمنا اليوم عيشَ العفة التامة أمرًا مستحيلًا، ازداد الكهنة ومعهم الكنيسة كلها تواضعًا ومثابرة في التضرّع لنيل نعمة الثبات والأمانة، التي لا تُحرم أبدًا على من يسألها. وفي الوقت نفسه سيستخدمون جميع العون الفائق الطبيعة والطبيعي المتاح لكل واحد. (من المجمع الفاتيكاني الثاني، Priest. 16)
أدرك فرنسيس كيف خرجت من جرح قلب يسوع أورشليم السماوية، أي الكنيسة بأسرارها ونظامها الكهنوتي، كما خرجت حواء من جنب آدم. ورأى أن كل زهرة، وكل حجر، وكل دودة، وكل سحابة في السماء، وكل نجم، إنما هي كلها حلية العروس المصوغة من دم يسوع. فكل زهيرة منسوجة من محبة العريس الإلهي لعروسه، التي يريد أن يغمرها بالعطايا.
في هذا البذل الجسدي من يسوع لعروسه يتأسس الزواج المسيحي. (راجع أف 5: 22-32) ولذلك هو سرّ. وفي احتفال الزواج يُكرَّس العروسان في كونهما رجلًا وامرأة كهنوتيًّا بالروح القدس، لكي تنال محبتهما الزوجية قوة التقديس التي في محبة المسيح.
تحدّث البابا يوحنا بولس الثاني في مقابلاته العامة مرارًا عن السر العروسي للجسد. نحن نُعبّر بالجسد عن أنفسنا، إما في الخطيئة أو في القداسة. ولذلك فكل اتحاد جسدي لا يتمّ في قداسة السرّ الزواجي هو زنًى: فالاثنان يُكمّل كل منهما الآخر في كونهما رجلًا وامرأة بخطيئتهما، وينجّسان هيكل الله؛ إنهما يدنّسان العرس السماوي الذي بدأ في المعمودية. (راجع 1 كو 6: 15-20)
ليصر جسدنا قربانًا مقدسًا مرضيًّا لله، (راجع رو 12: 1) لكي نستطيع نحن أيضًا أن نقول للمسيح بمحبة: «هذا جسدي لأجلك!»
البابا إنوسنت الثالث يرى في الحلم رجلًا من الرهبان يسند الكنيسة.
القديس فرنسيس والطاعة
من أين أتت لفرنسيس هذا الإكرام العميق وهذه الطاعة التامة للكنيسة، وبخاصة للكنيسة الرومانية؟ وهو العالم بالتوتر بين السلطة الكهنوتية والقداسة الشخصية، يكتب في وصيته: ثم أعطاني الرب إيمانًا كبيرًا بالكهنة الذين يعيشون وفق شكل الكنيسة الرومانية المقدسة، بسبب رتبتهم، حتى إنني إذا اضطهدوني أريد أن ألجأ إليهم. […] وأنا لا أريد أن أنظر إلى الخطيئة فيهم، لأنني أميّز ابن الله فيهم، فهم أسيادي. ولهذا أفعل ذلك، لأنني لا أرى منه، ابن الله العلي، في هذا العالم بجسده شيئًا سوى جسده الأقدس ودمه الأقدس، اللذين يتناولونهما هم بأنفسهم ويقدّمونهما وحدهم للآخرين. (Test. 6)
وبما أن تجديد الكنيسة ينبع إلى حد كبير من تقديس الكهنة والمكرّسين لله،7 يدعونا يسوع من جديد أن نصلّي ونقدّم الذبائح من أجل هذه النية. وقد قال يسوع لماريا زيلر، وهي صوفية في زماننا عاشت حياة كفّارة لتجديد الكهنوت: أريد أن أُشرِك الكهنة فيّ، وأن أجعل منهم فاديًا ومخلّصًا ثانيًا، لأجذب من جديد إليّ البشرية المتألمة والمقهورة. أريد أن أكون حياتها، وأن أتّحد بهم تمامًا، وأن أمنحهم ذاتي. ليكن قلبي قلبها. (19.8.1937)8
7 إن قداسة الكهنة تسهم إسهامًا كبيرًا في ازدياد ثمار خدمتهم الخاصة. فمع أن نعمة الله قادرة أن تحقق عمل الخلاص حتى بواسطة خدّام غير مستحقين، فإن الله يشاء عادةً أن يُظهر أعمال خلاصه المعجزية بالأحرى بواسطة الذين انفتحوا أكثر لدفع الروح القدس وإرشاده، ولذلك يستطيعون، بسبب اتحادهم العميق بالمسيح ولحياة مقدسة، أن يقولوا مع الرسول: «فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ». (غل 2: 20) (من المجمع الفاتيكاني الثاني، Priest. 12)
8 Josef Fiedler S.J., Erneuerung der Kirche – Maria Sieler, Imprimatur: Vindobonae, die 18.04.1988, Praep. Prov. Austria P. Josef Czerwinski S.J.
راعٍ صالح، راعٍ على قلب الله، هذا أعظم كنز يمكن أن يمنحه الله المحب لرعية، وهو من أثمن عطايا الرحمة الإلهية. القديس جان ماري فيانيه، خوري آرس
في جميع الكهنة والأساقفة، وفي البابا بوجه خاص، يرى فرنسيس الحضور الكهنوتي وسلطة العريس. وفي ذلك يكمن سرّ الكنيسة الهرمية في خدمتها التعليمية والرعوية والكهنوتية.
لقد أودع يسوع كنز نعمته كله للكنيسة. وقد حدث ذلك رمزيًّا حين أُنزل جسد يسوع عن الصليب ووُضع في حضن مريم؛ فتلقّت في حضنها جميع النعم التي استحقها المسيح على الصليب.
وفي العنصرة أُودع هذا الكنز في حضن الكنيسة، فاتحدت الكنيسة بمريم. وقد أعطى المسيح بطرس مفتاح هذا الكنز. فيستطيع أن يفتح ويغلق، وأن يربط ويحلّ، بصورة صحيحة حتى في السماء، وذلك يتمّ بصورة خاصة بتقديم الأسرار المقدسة. وبالغفران أيضًا تُغدق الأم الكنيسة نعمًا فائضة على أولادها، وتعفيهم بسلطان يسوع مما كان ينبغي أن يكفّروه. فكما أراد يسوع في تجسّده أن يكون تابعًا تمامًا لمريم، هكذا يريد الآن في عمل نعمته أن يكون تابعًا تمامًا للكنيسة.
يا أَبَتِ القُدُّوس، احفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي، لِيَكونوا واحِدًا كما نَحنُ واحِد. يو 17: 11
القديسة كلارا الأسيزية مع الزنبقة (فريسكو لجوتو)
العروس كلارا (1193 – 1253)
القديسة كلارا الأسيزية، المولودة في أسرة نبيلة، أسست مع القديس فرنسيس، الذي ألبسها الثوب بنفسه في سان داميانو، رهبنة الكلاريسات. وستبقى كلارا أربعين عامًا المرأة تحت ذلك الصليب الذي كلّم فرنسيس في سان داميانو.
… في هذه الخلوة الضيقة كسرت، مدة اثنين وأربعين عامًا، بسياط الانضباط، قارورة الطيب المرمرية لجسدها، حتى امتلأ بيت الكنيسة بعطر الأطياب. (LebKl 10)
وهكذا تصير كلارا التفسير الحيّ للرسالة التي تلقّاها فرنسيس في سان داميانو من المسيح، أن يعيد بناء بيته. وفي كلارا تظهر الكنيسة المنظورة، التي يجب على فرنسيس أن يقودها إلى المسيح عروسًا مقدسة نقية للعرس. ولذلك فإن محبة القديس فرنسيس لكلارا هي محبة المسيح لكنيسته.9
9 راجع Eugen Mederlet OFM، Die Hochzeit des Lammes، 1983، ص 96-133، Imprimatur: P. Karl Feusi OFM, Provinzial. تعود النصوص المصدرية الفرنسيسكانية إلى Franziskus-Quellen (2009) وKlara-Quellen (2013).
صلاة من أجل الكنيسة المقدسة
أيها القديس فرنسيس، يا شفيعًا قويًّا عند يسوع المصلوب في رحمته العظمى، نطلب معونتك في ضيقنا الكبير. إن خليقة الله العجيبة، أي العالم، بل البشرية كلها والكنيسة المقدسة، في أشدّ الضيق.
أيها القديس فرنسيس، يا عمود الكنيسة الكاثوليكية الراسخ، لقد أسندتَ مرة جدران الكنيسة المتزعزعة، وها هي اليوم مهددة من كل جانب. فاسأل لنا الوحدة في الإيمان، لكي يجد جميع الذين هم خارج كنيسة يسوع المسيح ملجأهم في أحضان يسوع. ولكي يعرفوا طريق العودة الذي يقودهم إلى أمانة السلطة التعليمية، الراسخة على صخرة البابوية، وإلى الاشتراك في استحقاقات يسوع المصلوب مع غنى كل كنوز نعمته.
أيها القديس فرنسيس، يا صورة آلام يسوع، يا من وُسِمتَ بجراحه، قِف إلى جانب أساقفتنا وكهنتنا، لكي يجاهدوا حماةً ومدافعين عن إيماننا، ويقاوموا الضلال، ويبلغوا الشبه بك. آمين.
يسوع المسيح، الكاهن الأعظم الأبدي
القديسة بريجيتا السويدية (1302/03 – 1373)
إلى القديسة بريجيتا، شفيعة أوروبا، التي عاشت حياة تضحية بطولية لتجديد الإكليروس والكنيسة كلها، كشف يسوع مرارًا عن حزنه العظيم بسبب سيرة بعض خدّامه الفاسدة.
قال يسوع مرة لبريجيتا: انظري يا ابنتي، لما فارقتُ العالم، أودعتُ كهنتي أغلى ما عندي، وتركتُ لهم خمس عطايا. الأولى، إيماني؛ والثانية، المفتاحان للجحيم والسماء؛ والثالثة، القدرة على أن يجعلوا من عدوّ الله ملاكًا؛ والرابعة، السلطان على تكريس جسدي الأقدس، وهذا ما لا يستطيعه أي ملاك؛ والخامسة، الامتياز بأن يلمسوا بأيديهم جسدي الأقدس جدًّا. أما الآن فيعاملونني كأولئك الذين أنكروا أني أقمتُ لعازر من الموت. […] وهكذا يفعل اليوم الكهنة حين لا ينطقون بكلامي ولا يعلنون تعليمي، بل يعلّمون حبّ العالم، ويبشّرون بالشهوة، ولا يعدّون شيئًا ما حملوه من ذنب الخطيئة.
وهذه الشكوى من الكاهن الأعظم الأبدي، التي نقلتها إلى الكهنة قديسةٌ، لم تخلُ من أثر في الإكليروس والشعب.
وكم أحبّ كهنته وكيف اختارهم، تُظهر لنا هذه الكلمات لبريجيتا: لقد اخترتُ الكهنة قبل جميع الملائكة والقديسين، وأعطيتُهم وحدهم السلطان أن يجعلوا جسدي حاضرًا ويلمسوه. […] لقد أحببتُ الكهنة حتى إني أردتُ أن أكرمهم وحدهم بهذا الإكرام، وجعلتُهم يصعدون إليّ على سبع درجات. فليكونوا صبورين كالخراف، ثابتين كجدار على أساس متين، شجعانًا كالمحاربين، حكماء كالحيّات؛ عفيفين كالعذارى، طاهرين كالملائكة، متّقدين بالمحبة كعروس تشتاق إلى مخدع عريسها.
وفي وحي تلقّته بريجيتا من والدة الله، يُنبَّه البابا إلى أن يسهر على طهارة الإكليروس: ينبغي للبابا أن يأمر كل أسقف أن يراقب حياة إكليروسه، بأن يُسلَب كلُّ من لا يريد أن يصلح حياته ولا أن يثبت في العفة ريعَ وظيفته الكنسية بالكامل؛ لأن الله يفضّل ألّا يُحتفل بقداس في مكان كهذا إطلاقًا، على أن يُمسّ جسد ابن الله بأيدي العاهرات.10
10 Gottes Nordlicht von Ferdinand Holböck، 1983، ص 293-295، 298، Imprimatur: Erzbischöfliches Ordinariat Salzburg, + Jakob Mayr, Weihbischof und Generalvikar.
القديسة كاترين السيينية (1347 – 1380)
القديسة كاترين السيينية، معلّمة الكنيسة وشفيعة أوروبا، كانت مفعمة بحب للكنيسة غير عادي. وكما فعلت معاصرتها القديسة بريجيتا السويدية، ناضلت هي أيضًا بلا كلل بأسلحة الروح من أجل إصلاح الكنيسة ووحدتها. ففي أحد الأيام وُضعت على كتفيها في رؤيا «سفينة الكنيسة السرّية»، فانهارت تحت ثقلها. وقبيل موتها صلّت:
أيها الله الأزلي، اقبل ذبيحة حياتي من أجل الجسد السرّي للكنيسة المقدسة. ليس عندي شيء أقدمه سوى ما أعطيتني إياه. فخذ إذن قلبي واعصره فوق وجه هذه العروس.11
11 أملت القديسة كاترين في السنوات 1377 و1378 على فترات متفاوتة كتابًا يُعرف عادةً باسم «حوار العناية الإلهية» أو «التعليم الإلهي»، تروي فيه نفسها، في حوار الانخطاف مع الرب، ما تقوله لها الحقيقة الأزلية جوابًا على أسئلتها بشأن خير الكنيسة وأبنائها والعالم كله. ويتميز الكتاب بروح نبوي، واتزان في الفكر، ووضوح في التعبير. وهو يتناول أسمى أسرار ديننا وأصعب مسائل الزهد والتصوف. وتتوجه إلى الإخوة في العالم بيقظة وتضرّع، وترى أنهم يضيعون على دروب الخطيئة، فتحاول أن تنفض عنهم الخمول المميت: بحدس نفسي دقيق تُلقي أشعة من النور على طريق الكمال، إذ تمجّد رفعة الإنسان الذي يجد في اتباع المسيح المطيع الطريق الأكيد إلى الثالوث الأقدس … (القديس البابا يوحنا بولس الثاني، من الرسالة الرسولية Amantissima Providentia، 29.4.1980)
القديسة تريزيا الطفل يسوع (1873 – 1897)
القديسة الكرملية تريزيا الطفل يسوع، شفيعة الإرساليات في العالم ومعلّمة الكنيسة، التي احترقت بمحبة متقدة للمسيح وكنيسته، تكتب في سيرتها الذاتية:
فهمتُ أن للكنيسة قلبًا، وأن هذا القلب يتّقد بالمحبة. […] فصرخت من فرط فرحي الفائض: يا يسوع، يا محبتي، … أخيرًا وجدتُ دعوتي: دعوتي هي المحبة! … نعم، وجدتُ مكاني في الكنيسة. وهذا المكان، يا إلهي، أنت وهبته لي. … في قلب الكنيسة، أمي، سأكون المحبة، … فهكذا سيصير حلمي حقيقة! … أنا طفلة فحسب، ضعيفة وعاجزة، لكن ضعفي نفسه يمنحني الجرأة لأقدّم نفسي ذبيحة لمحبتك، يا يسوع! […] لا أريد أن أفوّت ذبيحة صغيرة واحدة، ولا نظرة، ولا كلمة، أريد أن أستغلّ أصغر الأفعال وأن أفعلها من أجل المحبة … يا يسوعي! أنا أحبك، أحب الكنيسة أمي، وأتذكّر أن أدنى حركة من المحبة الطاهرة تنفعها أكثر من كل الأعمال مجتمعة.
صلاة من أجل الكهنة
يا يسوع، أيها الكاهن الأعظم الأبدي، احفظ كهنتك في حماية قلبك الأقدس، حيث لا يستطيع أحد أن يؤذيهم.
احفظ أيديهم المسوحة نقية، تلك التي تلمس يوميًّا جسدك الأقدس.
احفظ الشفاه طاهرة، تلك التي احمرّت بدمك الثمين.
احفظ قلبهم نقيًّا وغير أرضي، وهو المختوم بالعلامة السامية لكهنوتك المجيد.
دعهم ينمون في المحبة والأمانة لك، واحمهم من عدوى العالم.
امنحهم، مع قوة التحويل على الخبز والخمر، قوة التحويل على القلوب أيضًا.
بارك أعمالهم بثمر وفير، وامنحهم يومًا إكليل الحياة الأبدية. آمين.12 القديسة تريزيا الطفل يسوع
12 كان أساس صلاتها وذبائحها عند تريزيا تقديرًا عظيمًا للكهنوت. ومع أنها لاحظت ضعف الكهنة، لم تنتقل بسهولة إلى النقد. بل كان ذلك بالنسبة لها دافعًا إلى الصلاة والذبيحة. وعند الاختبار الذي سبق نذر رهبنتها قالت: «جئتُ لأخلّص النفوس، وخصوصًا لأصلّي من أجل الكهنة». (من Thérèse von Lisieux، Selbstbiographie، 1988)
الطوباوية دينا بيلانجيه (1897 – 1929)
كانت رسالة الطوباوية دينا من رهبنة راهبات يسوع ومريم في سيلري (كندا) تقوم قبل كل شيء على حياة كفّارة لتقديس الكهنة والمكرّسين لله. وقد كشف لها الرب أيضًا عن محبته العظيمة للنفوس المكرّسة له، وكذلك عن حزنه العميق من خيانتها.
كهنتي، كهنتي، آه! إني أحبهم كثيرًا! ومنهم كثيرون يحبونني قليلًا جدًّا! … فإن قلبي إذ تصبّب في الاحتضار دم دموعٍ عليهم، لم يكن ذلك وحده لأنهم انفصلوا عني بفقدان النعمة المقدِّسة، بل أيضًا لأنهم لا يعيشون بما يكفي حياة الاتحاد الحميم بي. إني أدعوهم لكي يصيروا مسيحًا ثانيًا. أن يكونوا ذاتًا أخرى مني: هذه هي دعوتهم. كثير منهم عزائي ومجدي وكرامتي. لكن بعضهم، آه! يحزنونني … أتريدين، يا عروسي الصغيرة، أن تهدي إليّ عن طريق أمي الطوباوية جدًّا يومك هذا لأجل كهنتي؟ أتريدين أن تهدي إليّ هكذا كل سبت؟ أي أن تحبيني بواسطة أمي السامية، وتصلّي، وتتخلّين عن ذاتك، وتقدّمين نفسك ذبيحة لأجل كهنتي؟ […]
بين أيدي كهنتي تكمن الحياة الدينية كلها في المجتمع. فلو كانوا جميعًا قديسين حقًّا، لكان مجرد مرآهم، سواء في الكنيسة أو في الطريق أو في أي مكان، يوجّه أفكار الناس إليّ؛ ولجذبوا النفوس إليّ؛ ولو لقيهم أحد لقال: هذا مسيح ثانٍ يمشي هنا! […]
لو تعلمين كم يتعزّى قلبي حين أجد نفسًا تسلّم ذاتها إليّ تمامًا! لكني أجد من ذلك القليل جدًّا! حتى بين النفوس المكرّسة قلّما توجد تلك التي تسلّم ذاتها إليّ تمامًا! – رسلي بطرس ويعقوب ويوحنا، الذين وهبتُ ذاتي لهم للتوّ في المناولة المقدسة، وجعلتُهم كهنة، كانوا نفوسًا مكرّسة، ومع ذلك ناموا أثناء احتضاري! كم من النفوس المكرّسة ما زالت نائمة، بينما كنيستي تُضطهد وتتألم.
تنال دينا بصائر عظيمة في سرّ القربان الأقدس. لو فهمنا أيّ كنز نملكه في الإفخارستيا الإلهية، لامتلأت الكنائس ليلًا ونهارًا بالساجدين الذين يحترقون حبًّا للأسير الإلهي في بيت القربان.
قلبي يفيض بالنعم للنفوس. قُدْها إلى قلبي الإفخارستي! يسوع للطوباوية دينا
وقد كشف الرب لدينا أيضًا أسرارًا عميقة عن غبطة السماء وعن القيمة التي لا توصف للصليب.
ترى دينا أن أدنى درجة من الغبطة في السماء تزيد بلا نهاية على كل الأفراح الممكنة على الأرض. وكل فعل صغير من المحبة، ومن الموافقة للإرادة الإلهية، أو الطاعة، أو الزهد، سيهبنا مثل هذه الغبطة. والثالوث الأقدس يقدّم لنا أعماق كنوزه، فما أقلّ عدد الذين يقبلونها بتسليم ذواتهم تمامًا لعمل الله المقدس!
لن نستطيع أبدًا أن نُدرك عِظم الجود اللامتناهي تجاه كل نفس بشرية. فأطول حياة هنا على الأرض ليست في الحقيقة إلا لحظة قصيرة. ما أشدّ حماقتنا، إن لم نصرف هذه اللحظة، وهي حياتنا الأرضية، لمزيد من مجد الرب العلي! ويا لها من مفاجآت ستحدث في الساعة الأخيرة، حين يتمزق الحجاب عن الحقيقة! […]
كنت أودّ أن أجعل جميع النفوس، ولا سيما النفوس المختارة، تدرك قيمة الصليب. فالألم منجم ذهب لا يُقدَّر بثمن؛ إنه سهم مشتعل تطلقه المحبة من قلب اللامتناهي، لكي يُحرق القلب البشري ويغمره في الألوهة. […]
لا، فإن قلب هذا العريس الجدير بالعبادة، الرقيق الصالح هكذا، لا يُعرف! لقد اختار يسوع الصليب كخير مقدس. وعانقه بشغف، وأحبه حتى الجنون: وذلك من أجلنا! […] كم يفرح قلبه حين تقبّل نفس مجروحة ومصلوبة بالمحبة السوط والحربة والمسامير الثمينة! […] يا روح الحق، باستحقاقات يسوع أسألك، امنح النفوس النور، وعلّمها أن تقدّر الخيرات الحقيقية، وأن تعترف بالجود اللامتناهي في ساعات التجربة والإذلال.13
يا يسوع، أيها الكاهن الأعظم الأبدي، الذي بدافع محبتك لنا فديتَ البشرية بآلامك وموتك على الصليب، اقبل بيدي أمك المباركتين آلامي بلطف. بصليبك أقدّم لك بمحبة ما هو لي. أخصِب رسالة كهنتك، لكي يأتي إلينا ملكوتك، ملكوت النور والمحبة والسلام. آمين.14
13 Die Selige aus Kanada von Engelbert Recktenwald، 1996.
14 Imprimatur: Frib. Helv.، 15. أيلول 1960.
الأخت كونسولاتا بيترون (1903 – 1946)
إن الرسالة التي أوكلها يسوع إلى خادمة الله الأخت كونسولاتا من رهبنة الكلاريسات الكبّوشيات، تقوم على أن تشارك، من خلال «الطريق الأصغر للمحبة» الذي تدعو إليه النفوس، في التجديد الديني للعالم وفي خلاص النفوس. ويمكن اختصار هذا الطريق الروحي، كما يتبين من تعاليم يسوع، في ثلاث نقاط:
- فعل محبة لا ينقطع – صلاة القلب، أي فعل داخلي.
- نعم مبتسمة لكل الناس: أن نرى يسوع في كل إنسان، ونعامل الجميع كما يعاملهم يسوع.
- نعم شاكرة لكل شيء: لكل ما يريده الله منا.
كانت حياة يسوع على الأرض جهادًا متواصلًا من أجل خلاص النفوس. وعن هذا الشوق المجاهد يتكلم الرب مع الأخت كونسولاتا:
المحبة والنفوس! ما أجمل من ذلك؟ […] يا يسوع، يا مريم، أحبكما، أنقذا النفوس! ضُمّا الجميع: نفوس المطهر كما نفوس الكنيسة المجاهدة، والأبرياء كما المذنبون، والمحتضرون، والأشرار، كل النفوس!
وقد أوكل يسوع إلى الأخت كونسولاتا بوجه خاص أولئك المكرّسين لله الذين خانوا دعوتهم. فقال لها:
كونسولاتا، لك أنت أيضًا في الكنيسة قطيع يجب أن تقودينه إلى الحياة الأبدية: إخوتك وأخواتك. فهيّا، أنت أيضًا ستكونين راعيًا صالحًا، يبذل حياته كما فعل يسوع من أجل خرافه.15
يا مريم، يا أم الكهنة الصالحة، ضعي جميع الكهنة تحت حمايتك الخاصة وسترك، وارجعي بيد أمومية حنونة الكهنةَ التائهين البائسين الذين خانوا دعوتهم السامية، إلى الراعي الصالح. آمين.16
من أجل هؤلاء إخوتها وأخواتها فعلت كونسولاتا كل شيء. وكانت تصلّي باستمرار أثناء كل أعمالها صلاة قلبها: يا يسوع، يا مريم، أحبكما، أنقذا النفوس!، وكانت تجعل من كل شيء ذبيحة لله. فوعدها يسوع لذلك بهذا الوعد:
انظري، إنها أمور تافهة كلها، لكني أفرح بها فرحًا عظيمًا وأمنحها قيمة لا تُقدَّر، لأنك تقدّمينها لي بمحبة كبيرة. وكل هذه التفاهات أجريها نعمًا للتوبة على إخوتنا التعساء.
وكثيرًا ما أُوكلت إلى الدير حالات ثقيلة ملموسة، فكانت كونسولاتا تحمل نيابةً عنها الآلام المناسبة لها. فكانت تقاسي أحيانًا مدةً طويلة الجفاف والتخلّي والعبث والوحدة والشك وأحوال الخطيئة لدى الكهنة. وذات مرة كتبت إلى مرشدها الروحي في هذا الصراع: ما أغلى ثمن الإخوة! لكن يسوع منحها الوعد العظيم:
كونسولاتا، ستذهبين للبحث عن كل أخ وكل أخت وتردينهم إليّ، وسأغفر لهم من أجل الدم الذي سفكته من أجل الجميع.17
لا ينبغي أن يوجد في العالم أخٌ، مهما أخطأ وبلغت خطاياه ما بلغت، وقد وقعت عليه عيناك، ثم ينصرف عنك دون رحمتك إذا طلب الرحمة؛ وإن لم يطلب الرحمة، فاسأله هل يريد الرحمة. وحتى لو أخطأ بعد ذلك ألف مرة أمام عينيك، فأحبّه أكثر مني، لكي تجذبه إلى الرب. القديس فرنسيس
15 لم يبقَ يهوذا وحيدًا للأسف، بل كان الأول في سلسلة طويلة تمتد حتى يومنا هذا. وكل هؤلاء التعساء هم سبب أشواك حول القلب الإلهي ليسوع، وسبب أمرّ دموع الكنيسة، التي تتمنى بشدة أن يشارك جميع المسيحيين بالصلاة والذبيحة في تقديس الكهنة والمكرّسين لله. وكثيرون يشكون من هذه العثرات، ويرجمون الخراف الضالّة بالحجارة، غير أن قلائل فقط يساعدون في إعادة هؤلاء التعساء إلى الراعي الصالح. ولا ننسَ أن كل ابتهال صغير وكل ذبيحة صغيرة في هذه النية هي لؤلؤة وعلامة على محبتنا المتبادلة ومسؤوليتنا.
16 Imprimatur: Regensburg، 1.2.1973.
17 راجع Schwester Consolata Betrone von P. Lorenzo Sales، 1961، Imprimatur: Friburgi Helv., 15. September 1961.
القداس الإلهي – شمس حياتنا
ليس بين كنوز العالم ما هو أثمن من ذبيحة القداس الإلهي؛ وليس بين كل شقاء العالم ما هو أعظم من الجهل بهذه الذبيحة الأقدس. ففي إقامة القداس الإلهي نقف، كأعضاء في الجسد السرّي، كأننا عند أسفل الصليب، ونستطيع أن نقدّم للآب السماوي، متحدين بالمسيح كاهننا الأعظم الأبدي، ذبيحة التسبيح والشكر والتعويض والتضرّع الكاملة. لذلك فالقداس الإلهي هو ينبوع الحياة المسيحية كلها وذروتها، وأسمى عبادة، والحضور السرّي غير الدموي لذبيحة صليب يسوع المسيح.
أطلب أيضًا في الرب من جميع إخوتي الكهنة، الذين هم كهنة العلي […]: أن يكونوا هم أنفسهم، كلما أرادوا الاحتفال بالقداس، أنقياء وبنيّة طاهرة، وأن يقدّموا بإجلال وبقصد مقدّس وطاهر الذبيحة الحقيقية لأقدس جسد ودم ربنا يسوع المسيح. القديس فرنسيس
وفي الطاعة المتجلية في بذل يسوع يُنال للآب كل مجد وإكرام. وفي الوقت نفسه تفتح محبة المسيح لكل إنسان طريقًا يقود إلى قلب الآب. وهكذا يشرق علينا في هذا السرّ أعمق صفات الله، أي رحمته التي لا تُدرك. فنضع في حدث التحويل في القداس الإلهي كياننا كله، وضعفنا البشري، وهمومنا وضيقاتنا، وذنب جميع البشر. فإننا في الجسد المبذول والدم المسفوك للمسيح نجد الشفاء والتعويض عن خطايانا وخطايا العالم كله.
ويمكن أن يُقال عن القداس الإلهي ما يقوله الكتاب عن الحكمة: «فإنها كنز للناس لا ينفد، والذين اقتنوه كسبوا صداقة الله». (حك 7: 14)
لا توجد ساعة في النهار أغلى من الساعة التي نشارك فيها في القداس الإلهي. فهذا الوقت هو في الحقيقة ساعة من ذهب. فالتضحيات التي نقبلها عند المشاركة في القداس الإلهي تتحول إلى ذهب. فكما أن الشمس تفوق جميع الكواكب، كذلك تفوق المشاركة التقيّة في القداس الإلهي جميع أعمال التقوى الأخرى.
لا شيء يضاهي الإفخارستيا في العظمة! قابلوا جميع الأعمال الصالحة في العالم بمناولة صالحة – إنها كحبة غبار أمام جبل. القديس جان ماري فيانيه، خوري آرس
في اللحظة التي يُحتفل فيها بالقداس الإلهي، تُسرع ملائكة السماء إلى سجن المطهر فتفتحه. القديس يوحنا فم الذهب
عندما سُئل القديس الأب بيو يومًا ما عمّا ينبغي أن نفعله في القداس الإلهي، أجاب القديس: أن نتألّم معه ونحبّ. وكان يقول أيضًا: إن العالم يستطيع أن يبقى بلا شمس أهون من أن يبقى بلا القداس الإلهي.
يا يسوع، بموتك ودمك المقدس، اهدِ الخطاة، وخلّص المحتضرين، وأنقذ النفوس المسكينة من المطهر، وقدّس الكهنة والرهبان والراهبات والعائلات.
في كل احتفال بالقداس الإلهي يتردد نداء الآب السماوي: كل شيء معدّ، تعالوا إلى العرس! ابني الحبيب يجدّد بأيدي الكاهن ذبيحة الجلجثة، ويطعمكم في الإفخارستيا الأقدس بلحمه ودمه الخاصين! ومع ذلك، ما أقل من يتبعون دعوته – «لكنهم لم يبالوا» … هكذا يُذكر في مثل الوليمة الملكية، الذي نريد أن نتأمله في الفصل التالي بصورة حية وقريبة من الحياة.
تعالوا إلى العرس!
المسيح هو الابن الوحيد لله. وهو في تجسّده يأتي ليدعو عروسه، الكنيسة المقدسة، إلى العرس، ويدعو الناس إلى الاحتفال. ويذكر المثل أربع فئات من المدعوّين:
الفئة الأولى هم اللامبالون. ومثل هؤلاء موجودون أيضًا أمام دعوة الله. فالدعوة تأتيهم مرارًا بإلحاح بارز. لكن الدين لا يعني لهم شيئًا. إنهم واقعيون، لا يرون واقعًا سوى الأرضي والمادي. والمسيحية لا تهمّهم. […] لا علاقة لها بالمضاربات في البورصة، ولا بالتقدّم المهني، ولا بالمكانة الاجتماعية. تبقى الدعوة غير منجزة على المكتب، أو تُلقى في سلة المهملات. لكن في الحقيقة لا توجد لامبالاة تجاه الله، لأن الله لا يقبلها. ومن لا يهتم بالمسيح لا يدخل ملكوت الله، فهو إذن واحد يقف في الخارج، ويبقى بالتالي في الخارج أيضًا. وسيكون الحكم النهائي للرب: إني لا أعرفكم!
الفئة الثانية هم أهل المعارضة. ففي المثل يقتلون بلا تردد حاملي الدعوة. فهم لا يقفون لا مع الملك الحاكم ولا مع وليّ العهد. […] إنهم في المعسكر الآخر بوضوح. وفي مسألة ملكوت الله هم الملحدون المحاربون، مبغضو المسيحية. فالدين عندهم ليس أمرًا لامباليًا، بل «أفيون الشعوب»، وعائق أمام نهضة البشرية، وعدوّ للإنسانية الحقيقية، وبقايا عائقة من العصور الوسطى الخرافية، يجب أن تُزال نهائيًّا. وهكذا يخوضون المعركة بالكلمة والكتابة، ويتحدون لعمل مشترك، وينظّمون المقاومة. وفي المثل لا يتأخر ردّ الملك. فجنوده يحاصرون مقرّ المقاومة المعادية، ويسوّونه بالأرض، ويقتلون العدو. إنها صورة للحساب العظيم الذي يجريه المسيح في آخر الأزمنة.
الفئة الثالثة هم قليلو الإجلال. يرسم المثل شخصًا واحدًا ممثّلًا لهم. فالرجل الذي دُعي إلى العرس من الطريق، وقُدّم له في الدهليز ثوب عيد، مقتنع بأن أسماله تكفيه. ويرى أن على المضيف أن يقبله كما هو. والدعوة لا تعني له شيئًا خاصًّا. وإذا نُقل ذلك إلى الروحيات، فهم الناس الذين لا يريدون أن يعرفوا ما الذي يهم في أمر الله. تعوزهم مخافة الله. […] الحياة الدينية شيء يُعبَّر عنه من حين إلى آخر، بإكراه أكثر منه بحرية. يذهب المرء صباح الأحد إلى قداس الأحد، كما يذهب إلى المطعم للغداء، أو مساءً إلى حفلة موسيقية، وفي أيام الأسبوع إلى المكتب. وعلى الله أن يكون سعيدًا إن لبّوا دعوته إلى العبادة. إنهم الناس الذين لم يدركوا قط داخليًّا حقًّا ما يعنيه نداء الله. فالفرق بين الخالق والمخلوق، والأبدية والزمن، واللانهاية والمحدودية، والرب والعبد، لم يصبح لهم قط حيًّا بحق. […] ولذلك لا يبذلون أي جهد في الوصول إلى موقف داخلي مناسب. فهم لا يرون أن المسيحي يعيش بصورة مختلفة عن غير المسيحي. ولأن الله شيء ثانوي لديهم، فهم لا يهتمون أيضًا بأنهم يعيشون في نعمة الرب أم في الخطيئة. […] وقد أُظهر الأثر في المثل بصورة صارخة. إنه الطرد من قاعة العيد المضاءة إلى الظلمة، من الاختيار إلى الرفض. فالانتماء الخارجي إلى كنيسة المسيح لا يكفي. فإذا لم يتم التحول الداخلي، ينتهي كل شيء بالطرد.
قيمة نعمة واحدة أعظم من قيمة الكون كله. القديس توما الأكويني
الفئة الرابعة هم ضيوف العرس الحقيقيون. وهم بالطبع من أصل غريب: متشردون، وجوّابو آفاق، وعامة الشعب، وشحاذون من بين الأسوار والسياجات. كانت الدعوة المفاجأة الكبرى في حياتهم. لقد لبّوها فرحين. وبرهبة إجلال دخلوا القصر، وارتدوا بفرح طفولي ثوب العيد المُهدى إليهم. والآن هم في احتفال العرس كأنهم في السماء. وخوف واحد لديهم: أن يُضطروا يومًا ما إلى الخروج ثانية إلى الوسخ والبؤس، إلى البرد والظلام في الخارج. إنهم الناس ذوو العيون المشرقة والقلوب الشاكرة، الناس الذين يعرفون ما هي النعمة والدعوة. إنه الإنسان الخاطئ الذي دُعي إلى عالم النعمة. وإنه الإنسان المتديّن الذي يعرف أن كل شيء بلا قيمة دون الله، ويُحسن أن يقدّر الدعوة بوصفها نعمة وهبةً مجانية، ويحمل في أعماقه الخبرة المؤلمة لضعفه الخاص وخطيئته. لكن كل ذلك يضيع في بهاء الفرح الاحتفالي، لأنه يعلم أن المسيحية الكاثوليكية احتفال عرس، بدأ بتجسّد الله، ويبلغ ارتفاعه الاحتفالي الكامل عند مجيء الرب الثاني، بنور لا ينطفئ بعد، وفرح لا يتلاشى بعد.
وهكذا تطلب المسيحية قرارًا بإيجاب أو بسلب، بنعم أو لا. […] الأمر يتعلّق بالأخير والأعمق؛ بالكينونة الأبدية أو العدم.18
أيها الآب السماوي، أقدّم لك بمريم استحقاقات يسوع اللامتناهية، تعويضًا عن جميع النعم التي بددتُها. آمين.
18 Richard Gutzwiller, Die Gleichnisse des Herrn, 2017, Imprimatur des Bischöflichen Ordinariates Chur, 2. März 1960.
دموع الأم
باكية، تخفي وجهها بيديها، ظهرت والدة الله في 19 أيلول 1846 لطفلين راعيين في لا ساليت.
جئتُ هنا لأبلّغكم رسالة مهمة … إذا لم يُرِد شعبي أن يخضع، فإني مضطرة أن أدع ذراع ابني تسقط. إنها ثقيلة جدًّا ومُرهِقة، حتى إني لم أعد أقدر أن أمسكها. منذ زمن طويل أتألم من أجلكم، وأنتم لا تبالون بذلك! … ستة أيام أعطيتكم للعمل. أما اليوم السابع فقد احتفظت به لنفسي، لكن الناس لا يريدون أن يتركوه لي.19 وهذا ما يجعل ذراع ابني ثقيلة … إذا فسد الحصاد فذلك بسببكم وحدكم … إذا تابوا تتحول الحجارة والصخور إلى أكوام من القمح، وتغطّي الحقول البطاطا …
آه يا أولادي، يجب أن تؤدّوا صلاتكم كما ينبغي، ولو كانت «أبانا» و«السلام عليكِ يا مريم» صباحًا ومساءً فقط، إن لم يكن لديكم وقت أكثر. أما إذا كان لديكم وقت أكثر، فصلّوا أكثر! في الصيف لا يذهب إلى القداس إلا بضع نساء مسنّات. والباقون يعملون أيام الأحد طوال الصيف. وفي الشتاء، حين لا يعرفون ماذا يفعلون، يذهبون إلى القداس فقط ليسخروا من الدين …
طوال مدة الظهور تتساقط الدموع من عيني والدة الله.20
يا سيدتنا من لا ساليت، مُصالِحة الخطاة، صلّي بلا انقطاع لأجلنا، نحن الذين نلتجئ إليك!
19 وبحسب مشيئة الله تُمنح لنا جميع النعم التي استحقها المسيح بواسطة مريم. وهكذا تمرّ الأيام التي يمنحها لنا الله عبر يدي مريم. (راجع لاوُن الثالث عشر، الرسالة العامة Octobri Mensae) ولذلك استطاعت مريم أن تقول في لا ساليت: «ستة أيام أعطيتكم للعمل.»
20 في 19 أيلول 1851 اعترف أسقف غرونوبل فيليبير دو بروّيار رسميًّا برسالة لا ساليت. ما أبعد الاستراتيجية الإلهية للخلاص عن برامج التجديد في زماننا! فالرب يطلب بواسطة والدة الله لا تخفيف التعليم الأخلاقي الكنسي، بل التوبة والرجوع، لا إلغاء توقير مريم من أجل المسكونية، بل توقير قلبها الطاهر. وأمام الأب بيو لا يطلب الرب إلغاء العزوبة الكهنوتية ولا تجارب ليتورجية لإحياء العبادة، بل يشكو من اللامبالاة والاستخفاف اللذين يُقابَل بهما في سرّ القربان الأقدس. وأمام الطوباوية دينا بيلانجيه لا يطلب الرب من كهنته انفتاحًا أكبر على العالم، بل حياة في اتحاد أعمق به، ومن الرهبانيات والجماعات لا تساهلًا في الانضباط، بل وفاءً أكبر للقاعدة المقدسة. وفي الرسائل إلى القديسة الأخت ماريا فوستينا لا يقترح الرب إضعاف الوعي بالخطيئة، بل يدعو إلى أن يلجأ الناس كثيرًا إلى رحمته في سرّ التوبة المقدس. وما يُمدح اليوم بوصفه تقدمًا هو في الحقيقة تقويض لتعليم الإيمان والأخلاق. وهذا التقويض يطعن قلب يسوع ومريم. (راجع Engelbert Recktenwald، Harter Geist und weiches Herz، Imprimatur: P. Josef Bisig, Suprio generalis, FFSP, Opfenbach, 21. Oktober 1996)
مرشد صامت إلى الإيمان الكاثوليكي
كان لمرسَلي ستيل من جمعية الكلمة الإلهية، الأب غوتش والأخ جِرفاسيوس، في الصين اختبارٌ يفلت من كل إدراك عقلي.
يرافق الأخ جِرفاسيوس الأبَ من كاوتاي إلى امرأة مريضة في حالة خطيرة. وبعد ثلاثة أيام من ركوب الخيل لمسافة تزيد على مئتي كيلومتر يصلان إلى المقصد، لكن المريضة كانت قد ماتت. يعود المبشّران مكسوري الخاطر. وفي منتصف تقريبًا طريق الجبل يلتقيان بولد يطلب منهما أن يرافقاه إلى أمه. يقودهما الولد نحو 15 كم بعيدًا إلى قرية صغيرة. وفي كوخ من الطين تنتظر امرأة في الاحتضار. وتطرح على المبشّرين فجأة أسئلة غريبة:
«أيها الغريب، هل تجيبني بالحق؟»
«بالتأكيد.»
«هل يوجد إله في ثلاثة أقانيم؟ هل يوجد في الحياة الأخرى مكانٌ للفرح للأخيار ومكانٌ للرعب للأشرار؟ هل صحيح أن الله جاء إلى هذه الأرض ليموت من أجل البشر ويفتح لهم مكان الفرح؟ أيها الأجنبي، هل هذا كله حق؟»
يجيب الكاهن مندهشًا بالإيجاب عن كل هذه الأسئلة. من أين تعرف المريضة حقائق الإيمان هذه؟
«معك ماء»، تقول المريضة متابعةً، «اغسلني، لكي أصل إلى مكان الفرح!»
من أين تعرف أن الأب غوتش يحمل معه ماء المعمودية؟ وبعد حديث قصير يمنح المبشّر المريضة المعمودية. وتعبّر الأم بفرح عن رغبة جديدة: «معك خبز. ليس خبزًا عاديًّا، بل الله نفسه. أعطني منه أيضًا.»
وتعرف المحتضرة أيضًا أن الكاهن يحمل معه القربان الأقدس. فيناولها الأب غوتش المناولة المقدسة، ويمنحها مسحة المرضى.
ثم يقول: «حتى الآن أنتِ سألتِ، والآن أسألكِ أنا بعض الأسئلة: من أين تعرفين حقائق الإيمان؟ هل أخبركِ عنها مسيحيون كاثوليك أو إنجيليون؟»
«لا أعرف مسيحيين، أيها الغريب!»
«هل قرأتِ كل هذا في كتب؟»
«لا أعرف القراءة. ولا أعلم أيضًا أن هناك أدبًا مسيحيًّا بلغتي.»
«فمن أين إذن لك معرفتك بالإيمان؟»
«فكرتُ ببساطة أنه لا بد أن يكون الأمر هكذا. منذ عشر سنين وأنا أعيش بحسب هذا الإيمان. وقد علّمتُ أولادي أيضًا. يمكنك أن تغسلهم جميعًا» (تقصد: تعميدهم).
«هل كنتِ تعلمين أننا نمرّ اليوم؟»
«نعم، كان لي حلم، رأيتُ فيه رجلًا مسنًّا قال لي: أرسلي ولدك إلى الطريق، وناديا الأجنبيين، فسيغسلانك «غسلًا» للمكان الصالح بعد الموت.»
يتأثر المبشّران تأثرًا عميقًا. فطبيعة المريضة أمام الموت بسيطة إلى حدّ لا يبقى معه مجال للشك. وعند الوداع يهديانها صورة صغيرة للقديس يوسف، شفيع المحتضرين. فتفرح المريضة فرحًا لا يوصف. «أعرفه، فقد زارني. كان يأتيني مرارًا، وجعلني أرسل ابني إلى الطريق لأدعوكما.»
هل كان في الحلم أم في الواقع عندها؟ هي لا تعرف، ولا يهمّها ذلك. المهم ما اختبرته منه.
ماتت المرأة في الليلة نفسها.21
أيها القديس يوسف المحبّ، الحامي القدير للكنيسة المقدسة، انظر إلى الضيق العظيم لعروس يسوع المسيح، وإلى الحاجة المروّعة لنفوس كثيرة. آه، هلّا أتيتَ لنجدتها مع يسوع ومريم، والملائكة والقديسين. أفسِد خطط الأشرار، وأضرِم قلوب المؤمنين بلهيب الروح القدس، لكي يعترفوا بيسوع بحرية وانفتاح، ويجاهدوا من أجل مقاصد ملكوت الله وينتصروا. آمين.22
21 بحسب تقرير Ludwig Lenzen من مجلة „Weite Welt“، العدد 1، كانون الثاني 1976.
22 Imprimatur: Regensburg، 13.3.1977.
السمك في شبكة الكنيسة
يتأثر كثير من الناس تأثرًا صعبًا بمجتمعنا الموجّه كليًّا نحو الدنيا والخالي من الإيمان، فينفصلون، غالبًا مدفوعين بناموس الخطيئة، (راجع رو 7: 23) عن تيار الحياة السرّية للكنيسة. ومع ذلك، رغم كل «الحرية» الظاهرة التي يُزعم أنها مرتبطة بذلك23، والتي باسمها تُلقى القيم الأخلاقية والدينية خصوصًا في البحر، يسود في قلوب كثيرة حزن عميق ووحدة. لأننا إذا تخلّينا كالأطفال العنيدين عن وصايا الله وعن كنيسته، فإننا نقف في النهاية أمام فوضى حياة فاشلة.
أيتها الدنيا الظالمة! تفعلين كل شيء لتطرديني من على وجه الأرض، ولتنفيني من المجتمع. […] تحيكين المكائد لكي تدمّري كنيستي وتقتلي خدامها. […] وسأخزيكِ بمحبتي. […] كلمة «إرادة الله» وحدها تحتوي على عجيبة أبدية لا يضاهيها شيء. […] إرادتي تحتوي على جوهر كل الأفراح، ومصدر كل السعادات. يسوع لخادمة الله لويزا بيكاريتا
23 إن هذه «الحرية» تجعلنا في النهاية عبيدًا، كما تبيّن كلمات يسوع في إنجيل يوحنا. «إن ثبتم في كلامي كنتم تلاميذي حقًّا، وتعرفون الحق، والحق يحرّركم. […] الحق الحق أقول لكم: كل من يرتكب الخطيئة يكون عبدًا للخطيئة. والعبد لا يقيم في البيت دائمًا أبدًا، بل الابن يقيم فيه للأبد. فإذا حرّركم الابن كنتم أحرارًا حقًّا». (يو 8: 31-36)
وإذا نسينا الله، ينبوع كل فرح الوحيد، أكثر فأكثر، وابتعدنا عن إرادته الأقدس، أظلم ضميرنا شيئًا فشيئًا، وتلاشى الإيمان. لأن الإيمان والخطيئة لا يستطيعان على المدى الطويل أن يكونا جارين صالحين، ولأن الإنسان يحب الخطيئة ولا يريد أن يتركها، فلا بد للإيمان أن يتنحّى.
وأمام هذه الحقيقة يعظ القديس بولس: «تَمَسَّكْ بِالإِيمانِ والضَّميرِ السَّليمِ الَّذي نَبَذَه بَعضُهم فانكَسَرَت بِهِم سَفينةُ الإِيمان». (1 طيم 1: 19)
يتوقف المرء عن ممارسة الحياة الكاثوليكية، ويشتم الدين والكنيسة بعنف، ويشكّ في الحقائق الأساسية للمسيحية، ثم يصبح في النهاية بين ليلة وضحاها بروتستانتيًّا، أو يترك الكنيسة نهائيًّا. وبهذا الموضوع لاحظ القديس كبريانوس: «فلا يصدّق أحد أن الأخيار قد يتركون الكنيسة. فالعواصف تذرّ القشّ والتبن، لا القمح».
وحين افتخر شابٌّ أمام الفيلسوف باسكال بأنه لم يعد يؤمن، أجابه: «اطرح عنك الخطيئة، وغدًا ستصبح مؤمنًا من جديد».
وحتى إن كان «أبناء هذا العالم» لا يريدون بعد أن يسمعوا تعليم الكنيسة ومتطلباتها الأخلاقية، فإن جميع الرعاة والمؤمنين مدعوون إلى الثبات والأمانة للإيمان الكاثوليكي الحق. وبوجه خاص أولئك الكهنة الذين يتمسكون بالمحبة للرب وحقه، يسيرون فعلًا طريق الاستشهاد، لكنهم يحافظون رغم كثير من المحن على كرامتهم، ويصيرون في الوقت نفسه بركة لعدد كبير من النفوس التي أوكلها الله إليهم. إنهم يجاهدون مثل يوحنا المعمدان من أجل عدم انحلال الزواج، فيجلبون على أنفسهم كراهية «هيروديا» – «العالم». ومثل استفانوس يشهدون لحق المسيح، ويقعون بذلك في أشد المعارك: «فلَمَّا سَمِعوا ذٰلكَ استَشاطت قُلُوبُهُم غَضَبًا، وجَعَلوا يَصرِفونَ الأَسنانَ علَيه». (أع 7: 54) ومثل الكاهن الشهيد الطوباوي أوتو نويرر، الذي قتله النازيون لأنه أعلن بوضوح معارضته لزواج شابة من ضابط نازي مطلّق وخارج عن الكنيسة، هكذا سيُضطهد الكهنة الأمناء، وإن لم يكن ذلك بالجسد، فبالروح والنفس من أجل الإنجيل المقدس. ويمكن أن تُذكر هنا أمثلة لا تُحصى أخرى، تُظهر لنا بوضوح: إن يسوع لا يترك كنيسته، لأنها عروسه المحبوبة، ولأنه بذل آخر قطرة من دمه من أجلها. ومن قلبه المطعون يتدفق خمر العرس في الأسرار المقدسة، التي نحرم أنفسنا من ثمارها في الزمن والأبدية، إذا أنكرنا إيماننا الكاثوليكي.
وهذه الخسارة الثقيلة للإيمان والقيم الأخلاقية، التي انهارت في معظمها خلال العقود الأخيرة، تلعب دورًا حاسمًا في فضائح الانتهاك المأساوية، التي توجّه إلى الجسد السرّي للكنيسة جراحًا عميقة.24
اليوم اجلب إليّ نفوس الهراطقة (الذين فقدوا الإيمان الحق) والمرتدّين (الذين خرجوا من الكنيسة)، واغمرها في بحر رحمتي. في آلام مريرة مزّقوا جسدي وقلبي – وهذه هي كنيستي. فإذا رجعوا إلى وحدة الكنيسة، تشفى جراحي، وبذلك يخففون عذابي. يسوع للقديسة الأخت ماريا فوستينا
24 بينما يموت المسيحيون من أجل إيمانهم وثباتهم الأمين على يسوع، يحاول رجال في الكنيسة في الغرب أن يقلّصوا متطلبات الإنجيل إلى الحد الأدنى. بل نذهب حتى إلى استغلال رحمة الله، ونخنق الحق والعدل. […] الفضيحة الحقيقية ليست في الواقع وجود الخطاة، لأن لهم دائمًا رحمة ومغفرة، بل عدم الوضوح فيما يتعلق بالخير والشر، […]. فإذا لم يعد رجال مكرّسون لله قادرين على إدراك جذرية رسالة الإنجيل، وحاولوا تنويمها، فسنحيد عن الطريق. لأن هنا لدينا تعدّيًا حقيقيًّا على الرحمة. […] اليوم توجد مواجهة وتمرّد على الله، وصراع منظم ضد المسيح وكنيسته. […] (الكاردينال روبرت سارة، Gott oder Nichts، 2015)
كلمات تشجيع من البابا الفخري بندكتس السادس عشر
يقدّم لنا البابا بندكتس السادس عشر في تأمّل عميق، في رسالته المنشورة، دفعات واضحة ومشجّعة لانطلاقة جديدة للكنيسة، لا يمكن أن تتّجه إلا نحو الطاعة والمحبة لربنا يسوع المسيح. نريد أن نقتبس هنا مقطعًا صغيرًا من هذه الرسالة:
أول مهمة تنتج من الاضطرابات الأخلاقية في زماننا، هي أن نعود نحن أنفسنا إلى أن نعيش من الله ونحو الله. يجب قبل كل شيء أن نتعلم من جديد نحن أنفسنا أن نعرف الله أساسًا لحياتنا. […]
الله صار إنسانًا لأجلنا. فالكائن البشري يهمّه كثيرًا إلى حد أنه اتحد به، ودخل بذلك تاريخ البشرية دخولًا عمليًّا ملموسًا. […] نتكلم عن ذلك في اللاهوت بالتفصيل، بكلمات وأفكار عالمة. لكن بالذات بهذا يكمن الخطر أن نجعل أنفسنا أسيادًا على الإيمان، بدل أن نتجدد بالإيمان ونخضع له.
لنتأمل في نقطة مركزية واحدة، هي احتفال الإفخارستيا المقدسة. لا يمكن أن يثير تعاملنا مع الإفخارستيا إلا القلق. لقد كان من الصواب في المجمع الفاتيكاني الثاني أن يُعاد هذا السرّ، سرّ حضور جسد المسيح ودمه، وحضور شخصه وآلامه وموته وقيامته، إلى مركز الحياة المسيحية ووجود الكنيسة. وقد تحقق ذلك جزئيًّا في الواقع، ونريد أن نشكر الرب من القلب على ذلك.
لكن في الغالب يسود موقف آخر: فليس الإجلال الجديد أمام حضور موت المسيح وقيامته هو المهيمن، بل نوع من التعامل معه يفسد عظمة السرّ. ويظهر انحدار المشاركة في احتفال الإفخارستيا يوم الأحد مدى قلّة قدرتنا نحن المسيحيين اليوم على تقدير عظمة العطية التي تكمن في حضوره الحقيقي. وتُختزل الإفخارستيا إلى إشارة شكلية، حين يُعدّ من البديهي أن اللياقة تقتضي أن تُقدَّم في المناسبات العائلية، أو في أمثال العرس والدفن، لكل من دُعي إليها لأسباب قرابة. وتظهر البداهة التي يُتناول بها في بعض الأماكن القربان المقدس ببساطة من كل الحاضرين، أن المناولة لم تعد عند كثيرين سوى إشارة شكلية.
إذا فكّرنا فيما ينبغي عمله، يتضح أننا لا نحتاج إلى كنيسة أخرى من صنع أفكارنا. ما هو ضروري بالأحرى هو تجديد الإيمان بالواقع الذي وهبنا إياه يسوع المسيح في السرّ. […]
إن الأزمة التي سببتها الحالات الكثيرة لإساءة استعمال الكهنة تدفع إلى اعتبار الكنيسة كأنها شيء فاسد، يجب أن نأخذه نحن الآن بأيدينا ونعيد تشكيله من الأساس. لكن كنيسة من صنع أنفسنا لا يمكن أن تكون رجاءً.
وقد شبّه يسوع نفسه الكنيسة بشبكة صيد، فيها أسماك جيدة وأسماك رديئة، يجب في النهاية أن يفصلها الله نفسه. وإلى جانب ذلك مثل الكنيسة كحقل زراعي، ينمو فيه القمح الجيد الذي زرعه الله نفسه، لكن أيضًا الزؤان الذي زرعه «عدو» سرًّا فيه. والحقيقة أن الزؤان في حقل الله، أي في الكنيسة، ظاهر بشدة، والأسماك الرديئة في الشبكة تُظهر قوتها أيضًا. ومع ذلك يبقى حقل الله حقلًا، والشبكة شبكة صيد الله.
وفي كل الأزمنة لا يوجد الزؤان والأسماك الرديئة فحسب، بل أيضًا زرع الله والأسماك الجيدة. وإعلان الاثنين معًا بشدة ليس دفاعيات زائفة (أي دفاعًا)، بل خدمة ضرورية للحق.
وفي هذا السياق من الضروري أن نشير إلى نص مهم في سفر الرؤيا ليوحنا. يُوصَف الشيطان هناك بأنه المشتكي، الذي يشكو إخوتنا أمام الله نهارًا وليلًا. (رؤ 12: 10) وتعيد الرؤيا بذلك فكرة تقع في وسط الإطار الحكائي لسفر أيوب. (أي 1 و2: 10؛ 42: 7-16) هناك يُروى أن الشيطان حاول أن يقلّل أمام الله من عدل أيوب بوصفه خارجيًّا فقط. […] وللمسيحيين واضح أن أيوب، الذي يقف أمام الله مثالًا لكل البشرية، هو يسوع المسيح. وفي سفر الرؤيا يُعرض أمامنا دراما الإنسان في كل اتساعها. فالشيطان يقف مقابل خالق الخليقة، وهو يشوّه البشرية كلها والخليقة كلها. إنه لا يقول لله فقط، بل قبل كل شيء للناس: انظروا إلى ما صنعه هذا الإله. يُزعم أنها خليقة صالحة، والحقيقة أنها في كليتها مملوءة بالبؤس والاشمئزاز. وتشويه الخليقة هو في الحقيقة تشويه لله. […]
إن الهدف اليوم في الاتهام ضد الله هو قبل كل شيء أن تُشوَّه كنيسته كلها، لكي يبعدنا بذلك عنها. ففكرة كنيسة نصنعها نحن بأنفسنا أفضل هي في الحقيقة اقتراح من الشيطان، يريد به أن يبعدنا عن الله الحي بمنطق كاذب، نقع فيه بسهولة. كلا، إن الكنيسة لا تتكون اليوم أيضًا من أسماك رديئة وزؤان فقط. كنيسة الله موجودة اليوم أيضًا، وهي اليوم بالذات الأداة التي يخلّصنا بها الله. ومن المهم جدًّا أن نواجه أكاذيب الشيطان وأنصاف حقائقه بالحقيقة كلها: نعم، هناك خطيئة في الكنيسة وشرّ. لكن هناك اليوم أيضًا الكنيسة المقدسة، التي لا تُهدم. وهناك اليوم أيضًا كثيرون مؤمنون بتواضع،25 ومتألمون ومحبّون، يتجلى فيهم الله الحقيقي، الإله المحب الذي يُظهر نفسه لنا. ولله اليوم أيضًا شهوده («martyres») في العالم. ينبغي فقط أن نكون يقظين لكي نراهم ونسمعهم.
وكلمة «شهيد» مأخوذة من قانون المرافعات. فالمسيح يسوع في المحاكمة ضد الشيطان هو الشاهد الأول والحقيقي لله، الشهيد الأول الذي تبعه منذ ذلك الحين أعداد لا تُحصى. والكنيسة اليوم أكثر من أي وقت مضى كنيسة الشهداء، وهكذا شاهدة لله الحي. وإذا نظرنا حولنا بقلب يقظ وأصغينا، نستطيع أن نجد في كل مكان اليوم، وبخاصة بين الناس البسطاء، ولكن أيضًا في المراتب العليا للكنيسة، الشهود الذين يقفون بحياتهم وآلامهم من أجل الله. إن عدم رغبتنا في ملاحظتهم هو كسل القلب. ومن المهام الكبرى والأساسية لإعلاننا أن نخلق، بقدر ما نستطيع، أماكن حياة للإيمان، وقبل كل شيء أن نجدها ونعترف بها. […]26 البابا الفخري بندكتس السادس عشر
25 حين يحذّر يسوع في مر 9: 42 من أن يكون المرء «حَجَرَ عَثرَةٍ لِهٰؤلاءِ الصِّغارِ المؤمِنين»، فهو يعني بذلك «المؤمنين البسطاء الذين يمكن أن يسقطوا بسبب الكبرياء الفكري لمن يظنون أنفسهم أذكياء». (من النص الكامل غير المختصر، المرجع نفسه)
26 kath.net/pl، 2019.
أنا أم كل أطفال هذا العالم؛ لماذا تهينينني أيتها الدنيا؟ كنتُ شوق كل الأزمنة. أنا طريق كل طرقها: عليّ تسير آلاف السنين إلى الله. غيرتروت فون لو فورت
ذبيحة القداس الإلهي في الكاتاكومب
الكنيسة المضطهدة
الطوباوية زدِنكا شيلينغوفا، من راهبات الصليب،27 وُلدت عام 1916 في كريفا (تشيكوسلوفاكيا)، وهي مثال لجمع لا يُحصى من الشهداء الذين قدّموا حياتهم بدافع من محبتهم للمسيح وكنيسته.28
كانت الأخت زدنكا تتمتع باتزان نفسي استثنائي، وكان يشع من عينيها شيء سرّي لا يُصدَّق. وصار ابتسامها الرقيق المتواضع الخاص بها شعارها، حتى إنها بدأت يومياتها بالكلمات: بابتسامة اقطفي الورود الصغيرة للألم، وبابتسامة تكلّمي، وبابتسامة ساعدي، وبابتسامة اقبلي الظلم … وبابتسامة أخفي كل ما يؤلمك … وبابتسامة اصعدي إلى الجلجثة. هناك ستجدين ذاك الذي عرف كل شرّ وكل زيف وكل خطأ بشري قبلكِ بكثير.
وكيف كانت حياتها متجذرة بعمق في ذبيحة يسوع، تُظهره أيضًا الكلمات التالية: خلف السحب المظلمة تشرق شمسي المحبوبة … من مذبح الرب أمضي إلى مذبح عملي، إلى الفطور ثم إلى مستوصف المرضى. في كل مكان عليّ أن أتابع ذبيحة المذبح – بلا خوف وبفرح.
بهدف القضاء على الكنيسة، حلّ الشيوعيون منذ عام 1950 جميع الأديرة ومعاهد الكهنوت. وفي 20 شباط 1952 وقع ما وقع: في المستشفى الذي كانت تعمل فيه الأخت زدنكا أُعلن الإنذار. ففي الليلة الماضية كان قد هرب مريض، هو الكاهن شتيفان كوشتيال، الذي أسيء إليه بالتعذيب إساءة بالغة. واحتلت الشرطة حتى الكنيسة الصغيرة، حيث كانت الأخوات يحضرن القداس الإلهي في تلك اللحظة، فقالت الأخت زدنكا في نفسها: الآن جاءت الساعة – الآن سأذهب أنا أيضًا، لأنها هي التي كانت قد ساعدت الكاهن على الهرب. لكن لم يُشتبه في الأخت الهادئة في البداية. ولم تُعتقل فعلًا إلا بعد تسعة أيام. فقد اكتُشف هروب ثانٍ كانت قد أعدّته لذلك اليوم لثلاثة كهنة آخرين وثلاثة من طلاب الإكليريكية. وفي السجن تلت ذلك أربعة أشهر من الاستجوابات القاسية. وقد تعرضت الأخت زدنكا مرارًا لتعذيب وحشي، ثم جُرَّت إلى الزنزانة وهي مغطاة بالجراح.
وذات مرة، حين ضُربت حتى كادت تموت، همست لرفيقة في السجن: الغفران أعظم شيء في الحياة.
وعندما رأت السلطات القضائية أن الأخت زدنكا صارت مريضة بالموت نتيجة التعذيب الوحشي وثلاث سنين ونصف في خمسة سجون، قررت إطلاق سراح الراهبة إطلاقًا مشروطًا في 16 نيسان 1955. وكانت الحكومة لا تريد بأي ثمن أن يُنظر إليها بوصفها شهيدة.
قضت الأخت زدنكا الأشهر الثلاثة الأخيرة في قسم السرطان. كانت تصلّي كثيرًا، وكانت تُشِعّ سلامًا عميقًا رغم الآلام الكبيرة.
في ليلة السبت إلى الأحد، 31 تموز 1955، ساءت حالة المريضة، ولأنها أحسّت بأن حياتها تقترب من نهايتها، طلبت في الصباح الباكر المناولة المقدسة. وماتت الأخت زدنكا بهدوء وسكينة في الثامنة والثلاثين من عمرها، بينما كان يُحتفل بذبيحة القداس الإلهي في الكنيسة الصغيرة.29
27 شقيقة أحد جدَّي الأب الدكتور برنهارد فوشيكي OCist (Heiligenkreuz).
28 الشهداء علامة على أن الله حيّ وحاضر دائمًا بيننا. تتجلى محبته الرحيمة في يسوع المسيح، الذي وعد ألّا ينصرف عن كنيسته ولا عن الذين اختاروا أن يتبعوه بأمانة: «وهاءَنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم». (مت 28: 20) وحضوره ملموس في تلاميذه المضطهدين: «شاوُل، شاوُل، لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا رب؟ فقال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.» (أع 9: 4-5) (من كتاب Gott oder Nichts للكاردينال روبرت سارة)
29 راجع Triumph des Herzens، رقم 78.
أيها القديس ميخائيل رئيس الملائكة، يا من دافعتَ في السماء عن عرش العلي ضد هجوم لوسيفر، احمِ على الأرض نائب الله، البابا، والكنيسة الكاثوليكية. آمين.
توبة ممثّل
من بين أمثلة التوبات الحقيقية التي جرت بعمل القديس الأب بيو (1887 – 1968) في سان جوفاني روتوندو، تبرز بوجه خاص توبة الممثل كارلو كامبانيني. […]
لم يكن طريق كامبانيني إلى التوبة سهلًا. فقد وُلد في أسرة فقيرة، لكن أمه كانت تقية جدًّا. يروي كارلو: إن كنتُ قد فعلتُ يومًا شيئًا صالحًا، فذلك فقط لأنها صلّت من هناك فوق لأجل هذا الابن التعيس. فمن يدري ماذا كان سيصير منّي لولا صلواتها! […]
«شرارة الأب بيو»، كما يقول، اشتعلت فيه حين كان في التاسعة عشرة. كان يعمل آنذاك في الأرجنتين لفرقة مسرحية من بيمونتي. وذات يوم قال لصديقه: كان الإيمان بالله أمرًا سهلًا حين كان ممكنًا أن نلتقي بقديسين عظام كالقديس فرنسيس الأسيزي. لكن للأسف لم يعد اليوم قديسون عظام.
أجابه محاوره: بلى، ما زال هناك قديسون. لدينا واحد في إيطاليا: اسمه الأب بيو. راهب كبّوشي يحمل سمات المسيح، ويقدّم آلامه ذبيحة للعالم. وقد أثّرت هذه الكلمات في كارلو تأثيرًا عميقًا.
وقد جرى لقاء كامبانيني بالأب بعد بضع سنين. وقد روى هو نفسه في جماعات الصلاة للأب بيو: كنتُ قد انحرفت، لأني للأسف لم أستطع أن أقبل من وصايا ربنا العشر إلا ثماني؛ فقد أزعجتني الوصيتان الأخريان، ولذلك رفضتها كلها وعشتُ كالحيوان. […]
في نهاية عام 1949 بلغت ذروة مجدي، وكنت أصوّر ثلاثة أفلام في وقت واحد، وكان الجميع يحسدونني ويقولون لي: إنك في وضع جيد، بين كل تلك النساء الجميلات، وسياراتك الغالية … لا أستطيع أن أقول إلا كيف كان حالي. كنت أكره حياتي.
في 10 كانون الثاني 1950 جلست في السيارة وذهبت إلى الأب بيو. سجّلت اسمي للاعتراف وانتظرت. جاء دوري. وحين أردت أن أفتح فمي، قال لي الأب بيو: قل لي كل شيء منذ 1946. يمكنكم أن تتصوروا كيف كان حالي.
وبينما كنت أتكلم، كنت أنظر إلى الأرض. فقال لي: انظر إليّ! انظر في وجهي. لكني لم أستطع ببساطة. فقال الأب: تخجل مني، أنا الذي لا شيء، لكنك أسأت إليه هو دون أن تفكر في ذلك. […] أراد أن يسمع كل شيء. ولم يمنحني الحلّ إلا حين وعدته بأن أغيّر حياتي كلها. ومنذ ذلك اليوم بدأت أعيش حقًّا.
احتقروا تجاربكم، ولا تتوقفوا عندها. تخيّلوا يسوع المصلوب بين ذراعيكم وعلى قلوبكم، قبّلوا جرح جنبه وقولوا: هنا رجائي، هنا ينبوع سعادتي الحي. أمسكك يا يسوعي ولا أفارقك حتى تجعلني في أمان. القديس الأب بيو
قداس الليل للمضطهدين (غيبهارد فوغل، نحو 1920)
القداس الإلهي
لم يقتصر الأب على أن أعاد كارلو إلى نعمة الله أثناء إقامته في سان جوفاني روتوندو، بل أرشده أيضًا في الخطوات الأولى من حياته الجديدة. وقد وضع الإفخارستيا المقدسة حجرًا للأساس.
يعترف كامبانيني بصراحة بأنه لم يكن قد أدرك قيمة القداس الإلهي، ولا قيمة المناولة المقدسة، وكان يظن كما يظن كثيرون غيره أن المرء يمكن أن يكون مسيحيًّا صالحًا دون أن يذهب إلى القداس الإلهي.
وكان حين يراقب الأب عند المذبح وهو ينظر إلى القربان المكرّس، يسأل نفسه: ما معنى هذه الدموع وهذا الدم الذي يقطر من يديه؟ لماذا يتألم هكذا؟ لماذا يقدّم يومًا بعد يوم هذه الشهادة المؤلمة أمام أعين الناس؟
يروي الممثل: ذات يوم، وأنا أطرح هذه الأسئلة، سمعت بوضوح صوتًا في قلبي يقول: انظر أنت أيضًا إلى ذلك الصليب. […] كم مرة اتكأتَ على ذلك الإكليل الشوكي لتغرسه في لحمه أعمق؛ وكم مرة ضربتَ أنت أيضًا بالمطرقة على تلك اليدين والقدمين المجروحتين؟
بدأتُ أبكي، وكنتُ أودّ لو أعترف اعترافًا عامًّا أمام كل هؤلاء الناس في الكنيسة. وأحسستُ بألم لم أعرفه من قبل في حياتي. وفي الوقت نفسه أدركتُ أني لم أتلقَّ رسالة جديدة: فتلك الكلمات ذكّرتني بأنهم قد قالوا لي وأنا طفل في التعليم المسيحي إن يسوع مات من أجلنا، وإن ذبيحته تتجدد في القداس الإلهي. ولكن كان ينبغي أن أنال علامة أخرى.
في صباح يوم سفري ذهبت إلى المذبح لأتناول المناولة المقدسة. وحين أعطاني الأب القربان، شعرت بأنه يحرق لساني، كأنه وضع عليه مشعلًا.
ينبغي أن ينعكس في طريقة تناول المناولة المقدسة ذلك الإجلال المحب وتلك الرقة التي تحيط بها الكنيسة عريسها الإلهي في الصور المتواضعة للخبز والخمر. من قوانين راهبات الكبّوشيات للعبادة الدائمة في سالزبورغ
اختبأتُ خلف الكنيسة لأخفي دموع الفرح والتأثّر. لقد شعرت حقًّا بحضور الله. وفي ذلك اليوم وعدت يسوع شكرًا له لأنه جعلني أدرك عطية الإفخارستيا المقدسة، أني سأذهب يوميًّا إلى القداس الإلهي وأتناول.
وحين عدت إلى روما قيل لي إنني أبالغ، وإنني على وشك أن أصير متعصّبًا، لأن الكنيسة نفسها لا تطلب إلا مناولة واحدة في السنة وقداس الأحد. لكني بقيتُ وفيًّا لوعدي.30
حبّ الألم
علّمه الأب بيو كثيرًا، لكن ما أثّر فيه أكثر وما يعدّه أهم تعليم، هو محبة الألم. وذات يوم قال له الأب في الاعتراف: يا ابني، لو استطاعت البشرية أن تدرك قيمة الآلام، لما سعى الناس بعد إلى الأفراح، بل إلى الآلام وحدها.
يعترف كارلو بأنه كان مذعورًا من هذه الكلمات؛ لم يستطع أن يفهمها. لكن حين صار مع الأب أكثر ألفةً مع مرور الوقت، تمثّل هذا التعليم. قال: رأيتُ الألم الذي لا يُوصف للأب، ورأيته يقدّمه بفرح لخلاص نفوسنا. وهكذا بدأتُ شيئًا فشيئًا أفهم أنني، رغم بؤسي، أستطيع بألمي أن أقدّم شيئًا لربّ الكون.31
30 مئات الآلاف حضروا باهتزاز عميق احتفال قداس الأب بيو في سان جوفاني روتوندو، ورأوا بكاءه وجروح الوصمات الدامية، وشعروا بشيء من الدراما الهائلة التي تتم عند تجديد ذبيحة الجلجثة.
31 „Der Padre“، المجلد الأول، للأب Marcellino Iasenza Niro، 2006.
التقدمة اليومية
أيها الآب الأزلي، بيدي أمنا مريم الطاهرتين، أضع في الكأس الذي يرفعه اليوم كل كاهن على المذبح أفكاري وعملي وتعبي وآلامي، وحاضري وماضيّ ومستقبلي، وجميع خطاياي، وكل أحبائي، وجميع النفوس في العالم، والنفوس المسكينة، والموت نفسه.
أقدّم لك كل نبضة من قلبي، وكل نَفَسٍ، وكل خطوة، وكل كلمة، بنيّة أن يحوّلها كل فعل من أفعالي إليك إلى عدد مماثل من أفعال المحبة كتعويض عن خطايا العالم. امنح أن يكون يومي، متحدًا بابنك يسوع المسيح، قداسًا متواصلًا، وذبيحة دائمة،32 ومناولة أبدية، لكي أقدّم ترضية لعدلك الإلهي! آمين.33
32 كما يجدد يسوع كل يوم ذبيحته الكاملة في القداس الإلهي، يحق لنا أيضًا أن نجدد عند ذبيحة القداس الإلهي تقدمتنا الملائمة لحالتنا، التي نقدّمها متحدين بذبيحة المسيح للآب السماوي. فكل تسبيح وكل طلبة وكل تقدمة هي كدلوٍ نستقي به باستمرار نعمًا جديدة من الغنى اللامتناهي لقلب الله.
33 Imprimatur: 28.12.1970.
النجم الإلهي والنفس العروسية
يسوع المخلّص، هو نجمي.
أن أحيا له وحده، آه، هذا ما أريده بكل سرور.
لا من السماء وحدها يضيء لي،
بل في أعماق القلب أيضًا أبدًا وإلى الأبد.
كان ذات يوم نجمًا صغيرًا في الحشا المقدس،
مختفيًا كإنسان، وهو مع ذلك الله، القدير العظيم.
قضت به منذ الأزل المشيئة الأبدية:
أن تصير كلمة الله طفلًا.
العذراء القديسة ولدته؛
مريم اسمها، والله اختارها.
هي تحبّني كثيرًا وتقودني إلى النجم،
يا أم النجم، ما أحبها إليّ!
أما كان ينبغي للعالم أن يذوب من الدهشة؟
فهي قد رأت نجم السماء على الأرض!
يسير مملوءًا بالمحبة في لطف إلهي،
ليضيء للخراف الصغيرة في الفقر والذنب.
على الجلجثة في الأعالي، لا أستطيع أن أدرك ذلك،
نجمي يشحب بالمحبة على الصليب.
آه، الآن يُظلم العالم ويكون ليلًا،
لكن بعد ثلاثة أيام يُنير كل شيء.
والآن يسكن عند الآب في خيمة السماء،
ويضيء بالصلاح على العالم كله.
لكنه وعد أن يبقى هنا أيضًا،
مختفيًا في بيت القربان، هناك يضيء لي.
ما عليّ إلا أن أسرع سريعًا إلى الكنيسة الصغيرة،
هناك يسكن مملوءًا بالمحبة وينتظر الطفل.
عابدًا ومندهشًا أركع هناك،
حتى يسألني: «يا طفلي، ماذا تريد مني؟»
«يا نجم، يا نجم، ليت الخراف الصغيرة تهتدي إليك!»
اسمع فقط ما يجيبني به:
«أحبب واتألم وصلِّ من أجل ذلك،
حينئذ أقودها إلى باب السماء!»
أسأل النجم أيضًا: «قل لي،
ماذا أعني لك؟»
فأسمعه يقول لي بفرح:
«يا طفلتي، يا فتاتي، يا عروس قلبي، أيرضيك هذا؟»
لكنه يريد الآن أن يعرف هل أحبه أيضًا.
«يا نجم، أنت تعلم كل شيء، أنت وحدك أحبك!»
ولو أعطوني ذهبًا ومالًا، بل حتى بلادًا،
لقلتُ فقط: هذا ليس حقًّا.
للنجم يعود كل شيء، نعم كل شيء وحده،
ويا للعجب، إنه لي!
من نفخة فمه تنشأ العوالم،
ولا فكرة واحدة تخفى عليه.
وإن كان أحيانًا قلقي شديدًا وثقيلًا،
فأريد أن أتّكل عليه أكثر فأكثر.
إنما من محبة يرسل لي الألم،
لأنه يعرف قيمته للأبدية.
ولو التقيتُ بإنسان فاسد تمامًا،
لسألتُه في الحال: «أوَقعتَ بين اللصوص إذن؟
تعال بسرعة، نركض إلى النجم، فهو يحبّك أيضًا،
وعن قريب ستصير سعيدًا مثلي.»
وعندما تنتهي حياتي يومًا،
فليضيء لي نجمي في البيت السماوي.
قلبي يكاد ينفجر من الابتهاج والفرح،
أخيرًا في الوطن، وأنا مأخوذ تمامًا.
الملائكة في السماء يغنّون بصوت عال:
«انظروا، انظروا، ها هي العروس قادمة!»
يضمّني بمحبة إلى القلب الإلهي،
ويمسح عن عيني كل دموع وألم.
الآن أسكن عند النجم في غبطة كاملة،
وأحتفل معه بالعرس إلى الأبد.
الشكر للرب الذي نظر إليّ
كعروسه الصغيرة، عروس قلبه.
وإن كنت قد أحزنتُ قلبه الأقدس،
فلا أريد إلا أن أبكي بندم وألم.
حينئذ يضيء لي بدمه المقدس الأحمر
ويغسلني نقيًّا في لهيب قرمزي.
ولكِ أيضًا يا نفسي، ليس هو ببعيد،
إنه ينتظر بمحبة، وهو يحبّكِ كثيرًا!
نجمي ينظر إليّ منذ الأزل،
أتظنين أنه لا يفكّر فيكِ أيضًا؟ راهبات الكبّوشيات للعبادة الدائمة
هاءَنَذا آتٍ على عَجَل، ومعي جَزائِيَ الَّذي أَجْزي بِه كُلَّ واحِدٍ على قَدْرِ عَمَلِه … أَنا فَرعٌ مِن داوُدَ وذُرِّيَّتُه والكَوكَبُ الزَّاهِرُ في الصَّباح. يَقولُ الرُّوحُ والعَروس: «تَعالَ!» … «أَجَل، إِنِّي آتٍ على عَجَل». آمين! تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع. رؤ 22: 12-20
الطوباوية أنجيلينا من مارشيانو
صلاة من أجل الدعوات الكهنوتية والرهبانية
أيها الرب يسوع، كما دعوتَ في الماضي التلاميذ الأوائل وجعلتهم صيادي الناس، فلتدوِّ اليوم أيضًا دعوتك الطيبة باستمرار: «تعال واتبعني!» امنح الشبان والشابات نعمة أن يجيبوك بسخاء على دعوتك! قف بجانب أساقفتنا والكهنة والرهبان والراهبات في خدمتهم الراعوية الشاقة. امنح الثبات لطلابنا في الإكليريكية ولجميع الذين يسعون إلى تحقيق مثال التكريس الكامل في خدمتك. أيقظ في جماعاتنا الروح الإرسالية. أرسل، يا رب، عمالًا إلى حصادك، ولا تدع البشرية تعرف الإنجيل قليلًا بسبب نقص الكهنة والمبشّرين والرهبان والراهبات.
يا مريم، أم الكنيسة، مثال كل دعوة، ساعدينا، لكي نعاون الرب الذي يدعونا في تحقيق مخطط الخلاص الإلهي، ونجيب بـ«نعم». آمين. القديس البابا يوحنا بولس الثاني
القداس الإلهي هو سمائي على الأرض! القديس لورنسيوس البرينديزي
طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل. رؤ 19: 9